عاد الجدال حول السياسة الأميركية تجاه المحتجزين »الإرهابيين« والحرب على الإرهاب من جديد في واشنطن بعد الكشف عن تقارير مفادها أن وكالة الاستخبارات الأميركية احتجزت عدداً من المشتبه بهم بالقيام بعمليات إرهابية ضد الولايات المتحدة في معتقلات سرية عديدة في أنحاء العالم منذ أحداث سبتمبر 2001.

وهذه التقارير جاءت في الأسبوع نفسه الذي رفض فيه وزير الدفاع الأميركي دونالد رامسفيلد السماح لمحققين للجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة بزيارة المحتجزين في معتقل غوانتانامو في كوبا.

كما جاءت هذه التقارير في الوقت الذي كشف النقاب عن تقارير موثوقة حول التعذيب الذي يعاني منه السجناء العراقيون والأفغان.

وقد كشفت صحيفة »الواشنطن بوست« حديثاً أن وكالة الاستخبارات الأميركية تحتجز حالياً عدداً يقترب من المئة ممن تعتبرهم أخطر المشتبهين المتورطين بإعمال إرهابية في سجون سرية تسمى بــ»المواقع السوداء« تمتد من تايلاند إلى أوروبا الشرقية.

وقد أقيمت هذه الشبكة من السجون السرية في أرجاء العالم مباشرة بعد أحداث 2001 بالتعاون والتنسيق مع استخبارات أجنبية عديدة على أن تبقى جميع هذه المعلومات سرية ليست بالنسبة لشعوب هذه الدول بل وحتى بالنسبة للمسؤولين الرسميين ولأعضاء الكونجرس الأميركي في العاصمة الأميركية واشنطن.والهدف من هذه السجون هو إجراء تحقيقات مع المشتبه بهم بعيداً عن الأنظار والقوانين الأميركية.

وقد صرح مستشار الأمن القومي الأميركي ستيفن هادلي أن الإدارة الأميركية الحالية تقوم بكل ما هو ضروري »لحماية الولايات المتحدة الأميركية من أي هجمات إرهابية ولتحقيق النصر في الحرب على الإرهاب بالشكل والمضمون المناسبين.

وبما يتفق مع القيم والمبادئ الأميركية«. وأضاف أن وجود أسرى ومعتقلين سريين لدى الولايات المتحدة في مواقع سرية، إن وجدت، يجب أن لا يعني هذا أن الإدارة ستسمح بممارسة التعذيب.

إن الكشف عن وجود شبكة من السجون الأميركية في العالم بإدارة الاستخبارات الأميركية أتت فقط بعد أيام قليلة من منع محققين تابعين لحقوق الإنسان في الأمم المتحدة الدخول لمعتقل غوانتانامو بحجة أن هؤلاء المعتقلين هم »مقاتلون غير تقليديين« لأنهم اعتقلوا أثناء الحرب على الإرهاب .

وبالتالي فإنهم لا يتمتعون بنفس الحقوق التي يتمتع بها المقاتلون الذين يأسروا في الحروب التقليدية لأنهم يخضعون لمواثيق ومعاهدة جنيف الدولية، الأمر الذي أثار حفيظة مؤيدي حقوق الإنسان في العالم.

وقد أعرب مفتشو الأمم المتحدة عن أملهم في جمع المعلومات الكافية حول ادعاءات عديدة عن استعمال التعذيب ضد المعتقلين مثل إجبارهم على الطعام لمنعهم من ممارسة حقهم في الإضراب عن الطعام كوسيلة للإعراب عن رفضهم للاعتقال.

وقد أعلن المفتشون رفضهم واستنكارهم لمنعهم من إجراء مقابلات مع المعتقلين واتهموا السلطات الأميركية بخرقها للاتفاقات الدولية التي تدعوا لتقصي الحقائق وجمع المعلومات للتمكن من تقديم تقييم عادل عن وضع السجون والسجناء.

من جهته فقد أكد الوزير رامسفيلد على ضرورة ضبط مثل هذه الأمور وأنه لا يمكن السماح لمفتشي الأمم المتحدة زيارة معتقل غوانتانامو كلما أرادوا ذلك لاسيما.

وأن اللجنة الدولية للصليب الأحمر قامت بزيارات عديدة لهذا المعتقل وخلال سنوات وتحديداً منذ افتتاحه. وعليه فإن الوزير رامسفيلد لا يرى الأمر مناسباً أن تعطى أذونات دخول إضافية لأي جهة أخرى لزيارة المعتقلين.

وكانت وكالة رويتر للأنباء قد أعلنت مراراً وتكراراً عن أن اللجنة الدولية للصليب الأحمر قد اتهمت العسكريين الأميركيين باستخدام أساليب مختلفة »مكافئة للتعذيب« في معتقل غوانتانامو وأن مفتشي الأمم المتحدة أعربوا عن قلقهم حيال هذا الأمر.

إن الحديث عن وجود معتقلات سرية والتعذيب في معتقل غوانتانامو والوثائق المتوفرة عن حالات التعذيب ضد المعتقلين في سجون العراقية وأفغانستان بدأت تثير القلق والانزعاج لدى العديد من المسؤولين الأميركيين من جهة وتوفر أرضية صلبة لإعادة التفكير بسياسة واشنطن تجاه المعتقلين سواء في المعتقلات العلنية أو السرية.

وقد صرح العديد من المسؤولين الأميركيين عن أنه لا وجود لسياسة مرسومة ومحددة بهذا الخصوص وأن جميع الإجراءات المتبعة هي نتيجة لردود فعل.

ولهذا يصبح من المؤكد أن السلطات الأميركية المختلفة لا تمتلك أية استراتيجية للتعامل مع الأسرى والمعتقلين الأجانب بعد الانتهاء من استجوابهم.وقد دعا مارك جاكبسون مسؤول السياسة والتخطيط في مكتب الوزير رامسفيلد لتوفير سياسة واضحة ومحددة تجاه مسألة المعتقلين، وقال:

»إن المشكلة ليست مرتبطة بطريقة التعامل مع المعتقلين وحسب بقدر ما هي أيضاً كيف يتم التحقيق معهم. لدينا مشكلة أساسية تجاه فهم المعتقلين. ولكن المشكلة الأكبر هي أننا ليس لدينا سياسة احتجاز محددة وواضحة نستطيع إتباعها والتقيد بها.

ونتساءل: ما هي السياسة المكتوبة للإدارة الأميركية تجاه هذا الأمر؟ ما هو هدفنا؟ كيف يجب أن نتعامل مع أسرانا الإرهابيين؟ لذلك أقول أنه نحتاج لسياسة واضحة لإتباعها من جميع السلطات«.

وقد نشرت صحيفة »النيويورك تايمز« الأميركية هذا الأسبوع تقريراً عن أن صناع السياسة الأميركيين يدرسون الآن سيناريوهات مختلفة للتعاطي مع هذه المعضلة على جبهتين: الأولى وهو إصدار وزارة الدفاع الأميركية للتوجيهات تحت رقم 23.10، والتي ستؤسس لوجود إجراءات وأساليب محددة لكيفية التحقيق والتعاطي مع المعتقلين والأسرى الأجانب لدى العسكرية الأميركية.

وليس الاستخبارات الأميركية. والثانية وهي أكثر دقة وشمولية على شكل جدال محدد ومدروس يجري في أروقة مجلس الشيوخ الأميركي ويقوده السيناتور الجمهوري جون ماكين من ولاية أريزونا.

إن السيناتور ماكين يسعى جاهداً وضد رغبة العديد من الساسة الأميركيين وتحديداً نائب الرئيس ديك تشيني والوزير رامسفيلد لاستصدار وثيقة تحتوي قوانين تمنع تعذيب المعتقلين الأجانب من قبل وزارة الدفاع التي تصل ميزانيتها إلى أكثر من 445 مليار دولار .

ووكالة الاستخبارات الأميركية التي لا يعلن عن ميزانيتها بحكم أنها سرية. وهذه الوثيقة حددت أنه يمنع تماماً ممارسة أي نوع من أنواع التعذيب القاسي واللا إنساني والمشين، وقد جاءت نتيجة التصويت لصالح الوثيقة.

حيث أيدها 90 سيناتوراً وعارضها 9 فقط. وحاول نائب الرئيس الأميركي ديك تشيني استثناء وكالة الاستخبارات الأميركية من هذه الوثيقة بحجة أنها ستقيد أيدي الرئيس الأميركي أثناء أوقات الحرب ولذلك هدد بأن الرئيس بوش سيصوت ضد هذه الوثيقة إذا لم تعدل قبل إرسالها إليه.

من جهته بدأ السيناتور الديمقراطي جون روكفلير من ولاية ويست فرجينيا وهو نائب رئيس لجنة الاستخبارات في مجلس الشيوخ حملة قوية لدفع لجنة التحقيق في ممارسات وكالة الاستخبارات الأميركية تجاه المعتقلين الأجانب. وقد دفع هذا الأمر نائب الرئيس تشيني باستدعائه إلى البيت الأبيض ومطالبته بالتخلي عن التحقيق.

كما أن وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس بدأت تحركات مماثلة للضغط على وزارة الدفاع ووكالة الاستخبارات لتغيير أسلوب التعامل مع المعتقلين الأجانب ولرسم سياسة واضحة تجاه كيفية التعاطي مع مثل هذه الأمور.

بالرغم من محاولات تشيني وغيره من المتطرفين في الإدارة الأميركية لوقف أية مساع لرسم سياسة أميركية واضحة ومحددة حيال المعتقلين والأسرى الأجانب في السجون الأميركية العلنية والسرية إلا أنه هناك تياراً قوياً قلقاً على سمعة الولايات المتحدة يدفع باتجاه التحقيق في العديد من الممارسات الأميركية تجاه المعتقلين »الإرهابيين« منذ الأحداث الإرهابية في سبتمبر 2001.

وهذا يعكس الخلافات القائمة بين المؤسسات السياسية المختلفة في واشنطن والتي كانت دائماً عاملاً مساعداً للتغيير. وهذا ما نرجوه الآن في فضيحة المعتقلات »السوادء« التي تم الكشف عنها مؤخراً .

والتي لا ندرك حجم التعذيب والترهيب الذي قد يكون تم ممارسته ضد المعتقلين الذين لم يتمتعوا حتى الآن بأدنى الحقوق المتعارف عليها دولياً والغريب أنه حاصل ويحصل من قبل الدولة التي ترفع شعار العدل والحرية وحقوق الإنسان عالياً. إنه فعلاً وبدون شك زمن عقوق الإنسان.

كاتب وباحث سياسي

isam997@hotmail.com