سؤال فاجع ومؤرق فالدعوات والسياسات الإصلاحية في المنطقة العربية تعاني من ركود ونكوص شديدين.فدعوات محمد عبده ورشيد رضا والأفغاني والكواكبي وابن عاشور وخير الدين التونسي وابن باديس قد انتهت، فظهرت دعوات الخوارج والغام ابن لادن والزرقاوي وقنابلهم.

في اليمن تراجع تجديد المجتهد محمد بن علي الشوكاني وثورة العالم الشجاع محمد بن اسماعيل الأمير والمقبلي والجلال وقبلهم الإمام محمد بن إبراهيم الوزير.

وانتهينا الى شعوذة تكفر الشيعة. وتعلن الحرب على الاجتهاد والتجديد الديني.

وتجعل من الطائفية متكأ للقضاء على الحرية وتعدد الرأي والتعبير. ان المنطقة العربية التي شهدت التجديد الفكري والديني منذ نهايات القرن التاسع عشر تغرق الآن في لحج من ظلامية التكفير وتعلن الحرب ضد المختلف وتدير الظهر لعصور التنوير في العالم وتجعل من الاستعلاء الديني والعرق والطائفة والعشيرة مقاصل لوأد الحداثة والحرية.

الكارثة التي تتعرض لها المنطقة باسرها لا تتجلى في شئ كتجليها في الهزائم النكراء التي تشهدها الأمة. وما يجري في فلسطين والعراق والسودان ولبنان وسوريا ليس إلا الفصل الأول ولكنه الأكثر دموية وقتامة.

ان انتصار الاستبداد الداخلي »المسلح« قد وأد التجديد وحرم الاجتهاد. وبخاصة السياسي منه فاليمن مثلاً قد عرفت انموذجين:انموذج التعددية الفكرية والسياسية والحزبية والحريات الصحفية في عدن منذ الثلاثينات وفكر الامامة التكفيري والمستبد في المتوكلية اليمنية وتجديد ومعارضة الاحرار الدستوريين .

ورعم سقوط الامامة في الــ 26 من سبتمبر 62 وانتصار اكتوبر 67 في الجنوب. الا ان الحروب الداخلية قد أدت الى هزيمة تيارات الحداثة والديمقراطية وانتصر »المبندقون« في الشمال والجنوب .

ان الاستبداد المسلح قد اعاق تطور الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية.

لقد شهدت اليمن تطوراً رائعاً في مجالات مختلفة وكان اعظم انتصار الثورة اليمنية سبتمبر واكتوبر هو قيام الوحدة في الــ 22 من مايو 90.

وكان انتصار الوحدة بداية توجه جديد لاعلان التعددية السياسية والحزبية وكفالة الحريات الصحفية والديمقراطية واحترام حقوق الانسان وكان ربيع صنعاء رائعاً وواعداً ولكن خلافات تيارات الحداثة على ضعفها وتراص صفوف العسكر المسنودة بالقوى القبلية قد عمل على تعطيل السير في طريق الديمقراطية والحداثة فانفجرت حرب 94 لتعيد الأمور الى المربع الأول.

والواقع انه قوى الاستبداد المسلح لا تدرك استحالة العودة بالاوضاع الى ما قبل الوحدة فما بالكم بالعودة الى ما قبل الثورة 62 سبتمبر واكتوبر 63 الا إنها تعمد الى افساد الحياة السياسية ونهب الثروات وتدمير الموارد وتشجيع الفساد والافساد.

فالاستبداد والفساد في اليمن كما في المنطقة العربية هما ام واب شرعيان للجرائم كلها. ومن رحمهما الولود تتناسل جرائم الإرهاب والقتل والاغتيال يقينا فإن الاستبداد كرؤية المستنير عبدالرحمن الكواكبي هو المسؤول الأول والاخيرعن تعطيل طاقات الأمة.

وقتل مواهبها. والارتداد بها الى عالم الحيوان.ان دعوات الاصلاح العربي لا تعني أكثر من أكذوبة لإطالة أمد الشقاء العربي والهوان الانساني.

ولعل أخطر ما في وعودها الخادعة انها تفتح الباب واسعاً أمام عودة الاستعمار القديم الجديد في أبشع صوره وتجلياته وما يجري الآن في سوريا هو المثل الأكثر كابوسية ومأساوية فالكل يتحدث عما تريده أميركا.

وما تقصده فرنسا أو تتغياه إسرائيل أو بريطانيا أو المجتمع الدولي ولكن لا أحد يتحدث عن إرادة الشعب السوري الغائب الأكبر عن معركة ومصير يعنيه.إن النظام العربي بليد بما يكفي لهدم المعبد على الرؤوس.