موضوع تعذيب المساجين انفجر منذ انكشاف فضيحة معتقل »أبوغريب« العراقي. ثم أخذ يكبر ككرة الثلج مع توالي المزيد من الروايات وأخبار الفظائع والإساءات التي ارتكبت في هذا السجن .
وفي غوانتانامو؛ بحق المعتقلين. وفي الآونة الأخيرة عاد والتهب من جديد، في واشنطن، بعدما كشفت جريدة »واشنطن بوست« عن وجود سجون سرية، أقامتها وتشرف عليها وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية »سي.
آي. ايه«؛ خارج الأراضي الأميركية في أوروبا الشرقية وغيرها، تعاظمت المعارضة والاعتراضات نظراً لما تسبب به هذا التوجه من احراجات وإدانات. وكان أن تزايدت الدعوات والضغوط على إدارة بوش لاعتماد سياسة واضحة شاملة، تحظر تعذيب المساجين في أي حال من الأحوال.
بيد أن البيت الأبيض بقي غير متجاوب مع مثل هذه الدعوات. دخل الكونغرس على الخط ومعه مسؤولون ورؤساء سابقون، لإجبار الرئيس على تغيير موقفه؛ فاضطر هذا الأخير للقيام بخطوة التفافية رضخ من خلالها للمطالبات، لكنه استثنى منها وكالة المخابرات الأميركية.
مجلس الشيوخ صوت بأكثرية كاسحة ـــ 90 من أصل 100 ـــ لوقف التعذيب للمعتقلين الأجانب، تحت أي ظرف من الظروف وقريباً من المتوقع تصويت مجلس النواب على الموضوع.
الرئيس كارتر وشخصيات أخرى رفعت الصوت عالياً ضد مثل هذه الممارسات وشددت على وجوب وقفها بالكامل. كذلك اتخذ العديد من وسائل الإعلام مثل هذا الموقف. في ظل هكذا أجواء سارعت وزارة الدفاع فأصدرت تعليمات تمنع اللجوء إلى التعذيب، على العسكريين، عند إجراء التحقيقات.
والاستجوابات مع المعتقلين الأجانب. لكن هذا المنع لا يشمل رجال وكالة الاستخبارات التي تقيم السجون في الخارج وبصورة سرية؛ لتبقى أساليبها بعيدة عن عيون الرقيب الصحافي.
ويتذرع الرئيس في دعمه للاستثناء، الذي يقف نائبه تشيني بقوة وراءه، بأن أميركا في حالة حرب؛ وبالتالي يجوز لها اعتماد جميع الأساليب التي تكفل إحباط خطط العدو.
كما تتذرع ـــ أو بالأحرى يتذرع تشيني ومدرسته ـــ بأن الإرهابيين لا يحترمون اتفاقية جنيف التي تحظر مثل هذه الممارسة فلماذا ينبغي على أميركا الالتزام بها.
الإرهابيون ليسوا دولة ولا يتوقع منهم الامتثال للاتفاقيات والأعراف الدولية. ثم إن الحرب على الإرهاب تنهض ـــ على الأقل هذا هو المفترض ـــ على أرضية التمسك بالسلوك السويّ الذي تمثله هذه القيم والأعراف وضرورة ترسيخها وتعميمها.
وإذا كان هذا هو المطلوب واللازم فإن حظر التعذيب على جهة أميركية دون غيرها، بقطع النظر عن الذريعة أو الظرف، يبقى خطوة منقوصة، لا تقل عن التحايل على المبدأ، فكما أن حقوق الإنسان لا تقبل التجزئة، هكذا أيضاً حمايتها من الانتهاك.