الارتياح الذي أبداه الملك عبدالله الثاني ابن الحسين خلال استقباله لوليد المعلم نائب وزير الخارجية السوري لتعاون سوريا مع لجنة التحقيق الدولية المعروفة باسم لجنة ميليس في قضية اغتيال رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري وطبقا لقرار مجلس الامن الدولي 1636 هو في الحقيقة موقف سبق لجلالته ان عبر عنه في مناسبات عديدة منطلقا من قناعته بان سوريا مستعدة للحوار وللحلول السلمية لجميع المشاكل والازمات سواء المتعلقة بقضية الشهيد الحريري أو القضايا الاقليمية الاخرى.

وإذا كانت محطة عمان في جولة المسؤول السوري العربية محطة مهمة نظرا لانتماء البلدين للاقليم ذاته الذي هو محيط مشترك في أبعاده السياسية والامنية بشكل خاص، فإن ماأشار إليه الملك من جهود قام بها الاردن من اجل تجنيب سوريا مخاطر محتملة نتيجة الوضع المتأزم في المنطقة اصلا يعطي للمشاورات الثنائية بعدا يفوق مجرد الاطلاع على الموقف السوري من خلال رسائل الرئيس بشار الاسد التي يحملها السيد المعلم الى امكانية المساعدة على تعظيم العوامل الايجابية وتقليل الاحتمالات السلبية التي قد تنتج عن طبيعة التحقيق.

هذه مرحلة دقيقة جدا وربما قاسية على سوريا، والدول العربية وخاصة دول المنطقة تريد ان يكون الفرق واضحا بين التحقيق مع شخصيات متهمة بعلاقتها بقضية الاغتيال وبين استهداف سوريا كدولة ونظام بعيدا او قريبا من قضية الشهيدالحريري.

وهذه مسألة ذات وجهين اي انها سلوك من اللجنة تجاه سوريا وسلوك من سوريا تجاه اللجنة الدولية، والشكوك المتبادلة بهذا الشأن واردة جدا لأن خطة عمل ميليس لن توضع بالتنسيق مع اي طرف، وإذا كان قد اتخذ من بيروت مقرا له بما سيترتب على ذلك من احراج عند استدعاء مسؤولين سوريين كبار فانه يجب التركيز طوال الوقت على الحقيقة وليس على الابعاد الاخرى التي يخشى منها الجميع.

ثمة ريبة وشك مصدرهما ما فعلته لجان التفتيش الدولية في العراق والتي اثبتت الاحداث عدم نزاهتها، وحتى برنامج النفط مقابل الغذاء التابع للأمم المتحدة شابه من الفساد والعبث ما يجعل شعوب هذه المنطقة اقل توقعا للنزاهة واكثر خوفا من النوايا والمخططات الخارجية، خاصة انها لم تشهد اي حضور لتلك اللجان عندما يتعلق الامر بإسرائيل مثلا، ولذلك فان الاجواء المحيطة بمهمة ميليس يسودها ضباب كثيف.

هناك ردود أفعال متناقضة طبعا، وهامش الاجتهادات ضيق للغاية، ولكنه يمكن التعويل على حكمة القيادة السورية في معالجة جوانب كثيرة من هذه القضية على اعتبار ان اغتيال الشهيد رفيق الحريري في بيروت وقت الوجود السوري هناك هو السبب الرئيس في شمولها التحقيق الدولي الذي لم يأت من فراغ.

ولا يخلو هذا الاهتمام الدولي الهائل من مآرب اخرى، ولهذا فإن الطريقة المثلى في التعامل مع لجنة التحقيق هي تعظيم الابعاد القانونية والاجرائية، واثبات نزاهة وحيادية وقدرة لجنة التحقيق السورية على القيام بمهمتها ودفعها لتقيم جسرا من التعاون مع لجنة ميليس.

في المقابل وعلى مسار آخر يمكن للاتصالات السياسية ان تزيل الاحتقانات المعروفة في علاقات سوريا مع دول غربية وخاصة مع الولايات المتحدة الاميركية على خلفية الوضع في العراق وفلسطين فضلا عن المسائل التي تضغط اميركا من اجلها في كل مكان تقريبا اي حقوق الانسان والتعددية السياسية والحريات العامة، بحيث يمكن من خلال تضافر جهود عربية اعادة فتح قنوات الاتصال بين جميع الاطراف وبما يخدم فرص الامن والاستقرار والسلام التي يحتاجها الجميع.