لفت انتباهي تركيز الكاتب الأميركي توماس فريدمان في مقالاته حديثاً على الصين، ورغم محاولاته ــ كالعادة ــ دس سم المعلومات المغلوطة في دسم أسلوبه المثير في الكتابة، إلا أنه لم يستطع إخفاء الرعب الأميركي من الخطر الآتي من الشرق.

فريدمان التزم بعقيدة التفوق الأميركي، وهو لهذا صور الصينيين كعقول ناسخة لتكنولوجيا الغرب المتطورة، متجاهلاً تسجيلهم مليون براءة اختراع سنوياً.

لكنه من حيث لا يدري أثار جملة من الأسئلة الاستنكارية بشأن السياسات الأميركية في مجال البيئة.

الازدحام السكاني الانفجاري في الصين المصحوب بأعلى نمو اقتصادي في العالم، ولّد مشكلة تلوث بيئي ملحوظة جداً في هذا البلد العملاق. ذلك صحيح، لكنه في المقابل دفع بكين إلى الخيار الأوروبي لا الأميركي لمعالجة هذه المشكلة.

بدأ الصينيون ــ كما الأوروبيون ــ في إبداع »التكنولوجيا الخضراء«، أي تلك التي تراعي المعايير البيئية، وتحقق إفادة قصوى من الطبيعة من دون إيذائها.

تغلغلت التكنولوجيا هذه حتى في نمط العمران الجديد وتمكينه من سبل التخلص المنتج من النفايات، ومعالجة المياه العادمة وإعادة استخدامها في أعمال منزلية لا تشترط معايير النقاء الفائقة.

الأمر نفسه ينسحب على أجيال جديدة من التكنولوجيا كسيارات صديقة للبيئة، وتوجيه الموارد نحو الصناعات المقلة في بعث الغازات المبددة لطبقة الأوزون.

الصين ــ كما أوروبا تقريباً ــ صدّقت على معاهدة كيوتو الرامية إلى تقليص انبعاث الغازات هذه التي تتسبب في الارتفاع التدريجي لحرارة الأرض.

وهنا يجدر التوقف عند تساؤل يحمل في طياته إجابته: »كيوتو« تلزم أعضاءها بكمية محددة من الغازات، وفي إمكان الدول النامية بيع ما يزيد على الكمية المحددة شريطة صرف عوائدها في تحسين البيئة.

الإدارة الأميركية وقفت بعناد في وجه هذه المعاهدة رغم انها اكتوت بمخاطرها عبر موجة أعاصير مدمرة.لماذا تنتهج الإدارة الأميركية هذا المسلك؟

الإجابة في بطن النظام السياسي الأميركي نفسه الذي تطور في اتجاه ضعف السيطرة الحكومية لمصلحة جماعات الضغط. النظام الأميركي نسف »العقد الاجتماعي« الخاص بقبول المجتمع تولي فئة منه مقاليد الحكم لتسيير شؤونه والدفاع عن مصالحه.

أصحاب المصانع في الولايات المتحدة (من الإبرة حتى المكوك الفضائي) لا يكترثون للأوزون أو لمستقبل الأجيال القادمة بقدر انشغالهم المحموم بمراكمة الأرصدة في البنوك.

والحكومة التي هي ممثلة لجماعات الضغط لا تمتلك التدخل ومخالفتها، وتالياً ينفتح المدى تماماً أمام التكنولوجيا السوداء.هذا ما يحدث حال الإخلال بالتوازن الدقيق بين نفوذ الحكومة، وقوة حيتان المال.