بعد عام من وفاة أبو عمار في مستشفى »بريسي« بمدينة كلامار الفرنسية، يوم الحادي عشر من نوفمبر في الساعة الثالثة والنصف صباحاً، نشرت شهرية »لوموند ديبلوماتيك« الباريسية تحقيقاً بقلم الصحافي الإسرائيلي أمنون كابليوك المعروف بمواقفه السلمية المعتدلة وبالصداقة التي تربطه بالمرحوم ياسر عرفات، والتحقيق بعنوان: هل اغتيل ياسر عرفات؟

وجاءت فيه حقائق مخابراتية ودبلوماسية من مصادر إسرائيلية ترجح كفة الاغتيال بالسم، وبالنظر إلى أهمية هذا الملف لدى الرأي العام العربي والعالمي.

رأينا أن نقدم استنتاجاته للقراء الكرام، حتى يطلعوا على خفايا نطق بها إعلامي إسرائيلي له علاقات وطيدة بالأوساط السياسية في وطنه إسرائيل ومع زعماء منظمة التحرير الفلسطينية، وكذلك في الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة.

يقول أمنون كابليوك إن ياسر عرفات عاش في المقاطعة منذ ديسمبر 2004 معزولاً مهدداً وفي ظروف مادية ونفسية قاسية، مما أكد لرفاقه وللدكتور أشرف الكردي بأنه تعرض لمسار انهاك وتدمير انتهى بعملية تسميمه، إلى درجة أن الصحافي الإسرائيلي يورام بيفور مراسل القناة الثانية للتلفزيون في تل أبيب أشار إلى أن ياسر عرفات تمت تصفيته.

وقال ذلك يوم 30 سبتمبر 2005. أما صحيفة »هآرتس« فأكدت يوم 9 نوفمبر 2005 بأن الرئيس عرفات مات نتيجة ايدز أو تسميم وليس هناك احتمال ثالث.كما أن أحدث كتاب سياسي إسرائيلي صدر باللغة الفرنسية عن دار »ماشيت« بباريس بعنوان »حرب إسرائيل السابعة« يرجح فرضية التسميم.

ويلاحظ كابليوك أن البيان الطبي الصادر عن رئيس وحدة علاج الدم في مستشفى »بريسي« لم يستبعد إمكانية التسميم. ولكنه اكتفى بتوصيف الأعراض من دون ذكر أسباب الموت، لأن البيان أشار بوضوح إلى اجتماع أربع علامات .

أو أعراض (سندروم) قل أن تتضافر في جهاز بشري وليس لها تفسير كلاسيكي معروف، وهو مما جعل البيان ضبابياً غامضاً يغذي الشائعات ويفتح أبواب التأويلات.

وفرضية التسميم تصبح قوية إذا ما قرأنا الخفايا والملابسات السياسية التي مهدت لعملية التصفية، فالصحافي الإسرائيلي أوري دان مرافق رئيس الحكومة شارون كتب في »معاريف« يوم 4 نوفمبر 2004 (قبل أسبوع من وفاة عرفات) بأن شارون أعلم الرئيس الأميركي بوش بأنه في حل من وعده الذي قطعه عام 2001 بعدم قتل عرفات.

ورد عليه بوش قائلاً: بأن عرفات بين يدي خالقه. فقال له شارون: »يجب أن نساعد الخالق...«.والجنرال شارون كان دائماً يقول وعلى مدى عشرين عاماً أنه نادم ومتأسف لأنه لم يقتل عرفات في أغسطس 1982 في احتلال بيروت، وكان بعض المقربين منه يصفون عرفات بأنه »ميت مؤجل«.

وقال كابليوك بأن قرار تصفية عرفات أخذه ثلاثة قادة إسرائيليون، هم: شارون وسيلفان شالوم وزير الخارجية وشاؤول موفاز وزير الدفاع.

وكان كابليوك يرافق ياسر عرفات في شهر أكتوبر 2004 وهو يقول:

يوم 12 أكتوبر تناول أبو عمار عشاءه الخفيف كالعادة ثم شعر بعده بآلام في البطن وتقيأ، وقال الأطباء بأنه حمى معوية لكن علاجها لم يؤثر بل أن تحليل الدم أثبت ليلتها بأن دم عرفات متغير.

ويوم 13 أكتوبر توافد الأطباء المصريون والتونسيون والأردنيون ليؤكدوا بأن حالته خطيرة وغير مفهومة »طبياً« وتقرر نقل عرفات إلى مستشفى باريس.

ومن الغريب ان شارون وافق على نقل أبو عمار وعلى عودته إلى رام الله بعد خمس وثلاثين شهراً من الحصار والعذاب والتدمير. وفي مستشفى برسي »أكبر مصحة لعلاج أمراض الدم في أوروبا« تم اكتشاف عنصر تسمم »توكسين« غير معروف لدى مختبر المستشفى.

ولم يستطع أي علاج مضاد للسم ان يحد من انتشاره في الدورة الدموية.وحتى الصحافة الإسرائيلية قالت عند وفاة أبو عمار بأن أحد أسباب ثلاثة قتلت الرئيس:

الإيدز وهو سبب صعب الاحتمال، التهاب حاد جدا وهو سبب ضعيف الاحتمال لأنه لو كان الأمر التهاباً لاستجاب الجهاز البدني للعلاج بالمضادات التقليدية، تسميم بمادة جديدة.

وغير محددة طبياً بل لعلها استعملت لأنها لا تترك أثراً طبيا يشير إلى القاتل.ويذكر كابليوك بواقعة محاولة قتل خالد مشعل في عمان بسم يسكب في الأذن ولا يتأثر إلا بمصل إسرائيلي حصل عليه الملك حسين »25 سبتمبر 1997«.

ولعل اقتناع الدكتور أشرف الكردي باحتمال التسميم لدى كابليوك هو من أقوى الدلائل لأن د. الكردي طبيب الأسرة الهاشمية ويعرف عن ظهر قلب الملف الطبي والوضع الصحي لياسر عرفات منذ عقدين من الزمن.

ويرى كابليوك بأن لغز التصفية سيظهر للعلن يوما ما ليكشف سرا من أسرار جريمة ترقى إلى مصاف جرائم الدول. مثل اغتيال جون كيندي وباتريس لومومبا والمهدي بن بركة وصالح بن يوسف ومحمد خيفر، رحم الله عرفات في ذكري وفاته الأولى.

كاتب تونسي