دخول البضائع المغشوشة، عدم مطابقة للمواصفات القياسية، غسيل الأموال، تهريب المخدرات، إهدار تكافؤ الفرص بين المواطنين، استبعاد الكفاءات الوطنية، الرشاوى، الواسطة غير المشروعة، العمولات، إهدار وقت العمل، التربح من الوظيفة، التلاعب بالقوانين.
هذا هو الفساد الإداري الحكومي في كثير من بلدان العالم التي تعاني من التخلف والفقر، هذه هي صور الفساد في كثير من البلدان الغنية. وهي تتفاوت من بلد إلى آخر، كما تتفاوت من قطاع إلى آخر في البلد نفسه.
إن الفساد المتفشي مازال يضعف المجهودات التي تبذل لزيادة معدل التنمية ومكافحة التخلف والفقر في كل أنحاء العالم. ويحرم الفساد البلدان المنتجة للنفط من موارد التنمية ذات الأهمية الكبرى.
هذا ما قالته منظمة الشفافية العالمية في أحد بياناتها الصحيفة، وذكر البيان أن مؤشر إدراك الفساد الخاص بها »مدركات« اكتشفت أن الفساد في المشاريع العامة يظل مستشرياً بصورة غير مقبولة.
وقالت المنظمة إن ثمة إحساساً بأن درجة الفساد في بعض بلدان العالم الثالث أسوأ مما هو عليه في البلاد الأخرى حيث أن النتيجة التي أحرزتها جميع هذه البلدان كانت أقل من نقطتين حسب مؤشر الفساد الجديد الذي وضعته المنظمة.
هذا ويشير مؤشر المنظمة السنوي لعام 2004 إلى أن بعض الدول الغنية بالنفط مثل الإكوادور، وكازاخستان، وروسيا، أحرزت نتائج منخفضة جداً بالنسبة للممارسات الحكومية النزيهة.
ومن الملاحظ أن التعهدات العامة الخاصة بقطاع النفط في هذه البلدان وغيرها تعاني من اختفاء العائدات في جيوب مديري شركات النفط الغربيين والسماسرة والمسؤولين المحليين.
وحتى ندرك الصورة المؤسفة لآثار الفساد يكفي أن نشير إلى أن قيمة الخسائر الناجمة عن الرشوة على المشتريات الحكومية تبلغ 400 مليار دولار على الأقل في السنة في جميع أنحاء العالم!
ومما يدعو لسعادة المرء أن بيان المنظمة ذكر أن دولة الإمارات العربية المتحدة مع النمسا وبوتسوانا، وجمهورية التشيك، والسلفادور، وفرنسا، وجامبيا، وألمانيا، والأردن، وسويسرا، وتايلاند، وأوغندا، والأورغواي، سجلت نتائج أفضل.
لكن هذه الشهادة لا تعني أننا قد فرغنا من مهام مكافحة الفساد لأن السير بعض الخطوات إلى الأمام لا يعني الوصول إلى نهاية الطريق.والأسئلة التي تفرض نفسها: ما أسباب هذا الفساد، وما الدوافع التي تتسبب في دفع البعض إلى اقتراف هذه الجرائم واستباحة حرمة القوانين ومخالفة الشرائع الدينية والمعايير الأخلاقية؟
لن نتحدث عن أسباب فساد الطبيعة الإنسانية، ولا عند أسباب وجود الشر في العالم على طريقة الفلاسفة والميتافيزتقيين واللاهوتيين، ولكنا سوف نتوقف فقط عند بعض الأسباب الموضوعية المستقاة من الواقع الذي يعيشه كثير من الناس، ويلمسونه في تعاملاتهم اليومية. وفي هذا الإطار نجد أن أهم أسباب الفساد ترجع إلى العوامل الآتية:
لعل أول هذه العوامل لا سيما في البلدان النامية هو ضعف راتب الموظف العام، مما يشجعه على أخذ الرشوة والإخلال بواجباته الوظيفية ثم الانحراف وراء الفساد الإداري.
وقد تم إجراء دراسة ميدانية علمية نشرتها المنظمة العربية التابعة للجامعة العربية ونشرتها »المجلة العربية للإدارة« توصلت إلى أن معظم مرتكبي الفساد من الموظفين الصغار ذوي المرتبات الضعيفة من حملة المهارات العلمية المتوسطة والدنيا.
لكن في بعض الأحيان نجد المرتبات مناسبة ومع ذلك يوجد فساد، هنا يمكن القول إن الجشع وضعف الضمير هما المحركان للفساد.أضف إلى هذا أن عدم كفاءة الأجهزة الإدارية يساعد على الفساد.
وفي أحيان أخرى يأتي الفساد من البيروقراطية المعقدة التي تؤدي إلى إعاقة وتعطيل مصالح العملاء، مما يجبرهم على البحث عن سبيل سهل يقفز على الإجراءات البيروقراطية من أجل إنجاز مصالحهم المشروعة بطرق غير مشروعة!
وهنا يكون المواطن نفسه هو المشجع للموظف على الفساد، وهذا ما نراه في كثير من الحالات عند بعض المواطنين الذين يدفعون الرشاوى من أجل تسيير أمور معاملاتهم.
وهنا نجد المواطن مسؤولاً، لكن مضطر إلى هذا ـــ كما يقول ـــ من أجل التغلب على الأنظمة البيروقراطية المعقدة. ولاشك أن في هذا جزءاً من الحقيقة! ونرى من الواجب إصلاح الأنظمة وفي الوقت نفسه توعية المواطنين بمخاطر الرشاوى.
ومن أهم أسباب الفساد، ضعف الرقابة العامة على الأجهزة الإدارية، بل في بعض الأحيان فساد بعض العاملين بهذه الأجهزة، ومن الملاحظ كما سجلت كثير من الدراسات، بل الملاحظات الشخصية للأفراد، أنه كلما زادت مدة الخدمة أثر ذلك في سلوك الموظف واستعداده لارتكاب الفساد.
ولذا لابد من تحريك الموظفين من مواقعهم كل فترة، وعدم بقاء قيادة في موقعها إلى أبد الآبدين، مثلما يحدث في الولايات المتحدة الأميركية على مستوى كل الوظائف القيادية والصغرى.
ومن أهم أسباب الفساد في الدول العربية بشكل خاص، حدوث تحول سريع في البناء الاجتماعي التقليدي الذي كانت فيه ظروف الناس ومقاماتهم وأحوالهم متقاربة.
ولم تكن هناك فجوة في البناء الاجتماعي، لكن الآن حدث اتساع كبير وفجوة من البناء الاجتماعي، حيث صار بعض الناس أغنياء جداً وتكونت طبقة ثرية للغاية، كما نشأت طبقة متوسطة وفقيرة تحاول كل منها اللحاق بالطبقة الأولى الغنية، فأصبح هناك استغلال للسلطة الوظيفية.
أما عن العلاج، فقد سبق لنا الحديث عن سبل مكافحة الفساد، لكننا نريد أن نؤكد في هذه المقالة على ضرورة الشفافية بوصفها إحدى السبل الجوهرية في مكافحة الفساد، فليس لنا أن نحقق أهداف التنمية الألفية المرجوة من دون معالجة الحكومات الجادة للفساد في مجال المقاولات العامة.
ولذا لابد من إلزام الشركات والمؤسسات الحكومية الإدارية بنشر تفاصيل الرسوم والمدفوعات الأخرى التي تتقاضاها الحكومات والشركات والأفراد. لأن نشر هذه المعلومات سوف يحد من الفرص لإخفاء قيمة الرشاوى التي يتم تقاضيها مقابل ضمان الفوز بالعطاءات لا سيما في الأنظمة الاقتصادية التي تمر بمرحلة انتقالية مثل بلادنا.
إن الحاجة الملحة للتنمية في فترة الانتقال نحو مصاف الدول المتقدمة تزيد من أهمية فرض شفافية صارمة بالنسبة لجميع عقود المشتريات. وإذا لم تتوفر التدابير الصارمة المضادة للرشوة.
فإن تحويل الموارد إلى الصفوة الفاسدة وإهدارها سيقوض جهود التقدم العام والاقتصادي بشكل خاص. ويتعين على الحكومات عمل المزيد لضمان الشفافية في المشتريات العامة من خلال إدخال البنود التي تحرم الرشوة في العقود الخاصة بجميع المشاريع الكبيرة.
كما لابد من فرض عقوبات قاسية ضد الشركات والأفراد التي تضبط ملتبسة بالرشوة، بما في ذلك فقدان حقها في العقود التي أبرمتها وإدراجها على القائمة السوداء وحرمانها من العروض والعطاءات المستقبلية.
وينبغي أن تتضمن العطاءات معايير للمكافأة الموضوعية والكشف العام للعملية برمتها، ويتعين أن تلتزم الاستثناءات الخاصة بفتح عروض المناقصات العمومية الحد الأدنى، كما ينبغي شرحها وتسجيلها.
حيث أن عدداً محدوداً من العطاءات والمقاولات المباشرة بشكل خاص تكون عرضة للتلاعب والفساد. كما يجب مراقبة المقاولات العامة من قبل أجهزة المراقبة المستقلة والمجتمع المدني.
وعلى الهيئات التشريعية وخصوصا ــ المجلس الوطني الاتحادي ــ العمل على انتشار القوانين المضادة للرشوة ووجود القوانين التي تفرض التقيد بقوانين محاربة الفساد، وفي الوقت نفسه الذي يجب فيه على الوزارات والهيئات العمل على توفر الإدارة الرشيدة للشركات.
وسيادة الشفافية، لأن مستقبل التنمية يتوقف على الشفافية في كل قطاعات الدولة باستثناء القطاعات ذات العلاقة بأمن الدولة والدفاع، لأنها بطبيعتها تتطلب السرية التامة. وإذا كانت دولتنا تم تصنيفها بين الدول التي سجلت نتائج أفضل عن ذي قبل في مكافحة الفساد.
فإن هذا لا ينبغي أن يجعلنا نتقاعس عن بذل مزيد من الجهود، بل يشجعنا على زيادة الإيقاع والضرب بمزيد من القوة على المفسدين القدماء الذين لم تؤثر فيهم الضربات الماضية.
كما ينبغي قطع الطريق على المفسدين الجدد، وابتكار مزيد من الأساليب الجديدة لمكافحة الفساد، لأن الأساليب القديمة يتم التحايل عليها بمرور الوقت، ولأن الشر لا يزال يطور من أساليبه.
ومن ثم يجب العمل باستمرار على تطوير أساليب مكافحة الفساد، ولعل في أجواء الذكرى الأولى لرحيل المؤسس والرائد المصلح الشيخ زايد ــ طيب الله ثراه ــ ما يعطي جميع الشرفاء دفعة قوية لتوسيع الحرب على الفساد.
منسق أكاديمي ــ جامعة الإمارات