التغيير سنة الكون، هذا ما نقوله دائماً وما نعيشه في كل لحظة من لحظات حياتنا. وربما نكون نحن في هذا الزمن أكثر إحساسا بالتغيير وتبدل الأحوال وأشد تأثرا؛ بسبب التسارع الشديد الذي نشهده في كل أشكال الحياة صغيرها وكبيرها.

إنّ الكون من حولنا لا يعرف السكون فالثبات المطلق ليس له وجود ؛ فكل شيء من حولنا يتحرك، والحركة – مع الوقت- تؤدي إلى تغيّر الأحوال وتبدل الأوضاع، لكنّ الفرق يكمن في سرعة التغير والمدى الزمني الذي يستغرقه هذا التغيير.

وفي زمن التغيرات الذي نعيش يبدو جديراً بالاهتمام أن نسأل أنفسنا: كيف يتعامل البشر مع التغيير؟ ما المواقف التي يتخذونها أو يتبنونها في سعيهم للتغيير أو في تأثرهم به؟ وما نوع التغيير الذي تميل إليه طبيعة البشر أو الذي تتأثر به واعية وتكون لها ردود فعل واضحة عليه؟

يبدو أنّ هناك ميلا واضحا عند الإنسان نحو الأشياء أو الخطط التي لها القدرة على إحداث تغييرات كبيرة وسريعة في حياته، وأنه قد يضيق ذرعا بالتغييرات الصغيرة البسيطة التي تتطلب صبرا ولا تظهر نتائجها إلا على المدى البعيد. وهذا الأمر يظهر جليا في حياة الأفراد والجماعات؛

فكثير من الناس يضع لنفسه خططا بهدف تحسين حياته وتحقيق أهدافه الشخصية فيكون في البداية شديد الحماسة توّاقا إلى تنفيذ عناصر خطته.

ولكنه – مع الأيام- يبدأ بالتراخي فتضعف همّته ويصبح الالتزام بالمهام التي قيّدها ثقيلا صعبا، فيبدأ شيئا فشيئا يتخلى عنها حتى يأتي اليوم الذي يرى نفسه فيه قد أضاع خطته كاملة بأهدافها ومهامها.

وهذا الأمر يتكرر كثيراً في حياتنا، فنحن نميل إلى الخطط قصيرة المدى ذات المردود السريع ولا نصبر على الخطط طويلة المدى ذات المردود البعيد، وإن كانت الثانية هي الأضمن والأفضل لنا.

التغيير البطيء ثقيل على الإنسان لأنه لا يرى نتائجه ولا يلمسها إلا بعد وقت طويل يكون فيه قد استنفد كل ما يملك من طاقة وصبر وجلد. وهذا الأمر يصدق أيضا على التغيير الذي تنتهجه الأمم والجماعات- خاصة في الدول المتأخرة- فالخطط بعيدة المدى التي تتطلب تغييرات جذرية متدرجة تأخذ مدى زمنيا طويلا هي في الغالب مهملة.

أو مهمشة في مقابل تلك التي تضمن تغييرات سريعة أو قفزات مادية تبهر الأنظار وترضي غرور البشر وتخدر وعيهم بالقضايا الأساسية والمسائل الحقيقية التي يبنى عليها تماسكهم وتؤسَّس قوتهم وتقدمهم.

ولذلك نلاحظ هذا الميل واضحا في اتجاه الدول التي تريد أن تلحق بركب التقدم، وهو ميل يؤكد تأخرها ويعجز عن انتشالها من محيط التخلف الذي تغرق فيه؛ فنحن على سبيل المثال نتجه إلى استيراد التقنية بدل تصنيعها.

لأن الثاني يشترط إحداث تغييرات تتطلب جهوداً كثيرة وأموالاً طائلة وخططاً واستراتيجيات تنأى عن سياسة السلق السريع والإنجاز اللحظي الذي يلمع في سمائنا كالبرق ثم ما يلبث أن يخبو ويغيب.

وكذلك الأمر في شؤون كثيرة كمحاربة الأمية والفقر وإيجاد بدائل لمصادر الطاقة وتطوير التعليم والاهتمام بالثقافة، فهذه كلها قضايا لا يمكن أن تتغير بقفزات سريعة أو خطط قصيرة المدى، إنها تحتاج مدى زمنيا طويلا يستهلك جهودا وأموالا وطاقات كثيرة ولذلك فإنها تبقى – في الغالب- في ذيل الأولويات.

والأمر لا يختلف كثيرا في تأثر الإنسان بالتغيير، بل إنه قد يكون أوضح وأجلى؛ فالإنسان يتأثر بالتغييرات الكبيرة المفاجئة المباشرة التي تقع دفعة واحدة، ولكنه قد لا يتمكن من اكتشاف التغييرات البطيئة المتدرجة التي تحدث من حوله كل يوم فلا يكون له ردود فعل عليها حتى تستفحل وتقوى وتتجذر فتصبح مما لا طاقة له بأن يقاومها أو يتجنبها.

فلا يمكن للبشر ألا يشعروا بتغييرات في الطبيعة تقع بقوة وسرعة كبيرتين كالأعاصير والفيضانات والزلازل، ولكنهم قد لا يشعرون بتغييرات أخرى تقع ببطء وتدرج كالتلوث البيئي وثقب طبقة الأوزون والتصحر وغيرها، على الرغم من أنّ خطر هذه الظواهر لا يقل عن غيرها.

إلا أنه لا يقع بالسرعة التي تثير الإنسان وتستثير فيه ردود فعل مباشرة. والأمر سيان في ردود الأفعال على التغيرات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، فالتغيرات المفاجئة تحرك ردود فعل سريعة وفورية عند البشر.

والتاريخ الإنساني حافل بمثل هذه الصور التي نلاحظ فيها كيف يقاوم الإنسان صور الاستبداد والاحتلال الذي يفرض فرضا في صورة تغيير سريع مفاجئ يستخدم القوة والهجوم المباشر سلاحا للتمكن والسيطرة.

ولكن الأمر يختلف إذا حدث التغيير في صورة غير مباشرة وبشكل تدريجي خفيّ بحيث لا يشعر البشر بخطره أو تأثيره السلبي على حياتهم. ولعل الأمر يتضح إذا تأملنا واقع الحياة اليوم؛ فهناك تدفق حضاري مستمر من الدول المتقدمة إلى الدول المتخلفة، وهو ليس انتقائيا .

ولا محددا بمنتجات صناعية دون أخرى، إذ إنه لا يقتصر على الأجهزة والآلات والأدوات التقنية لكنه يمتد ليشمل كل مظاهر الحياة من ملابس وأدوات تجميل وعطور وأثاث وأطعمة، بل إنه يتجاوز المظاهر المادية إلى القيم والمبادئ.

فهناك زحف للقيم الغربية كتأكيد مبدأ القوة وسيطرة المال بصفته سلطة قاهرة وتقديم المصلحة الشخصية على المصالح العامة، وسطوة الفردية والوصولية وغيرها من القيم التي أصبحت تتغلغل في كثير من مظاهر حياتنا من دون أن نشعر بها أو نكتشف خطرها.

لقد دخلت هذه التغييرات حياتنا ببطء وتدرج فلم نكتشفها إلا بعد أن أصبحت مما اعتدنا عليه وتأقلمنا على وجوده فقبلناه ولم ننتبه إلى ما تحمله من مخاطر على قيمنا وعاداتنا.

فهل سنكون كأسطورة الضفادع المسلوقة التي ألقيت في ماء ساخن فقفزت منه سريعاً لأن الحرارة المرتفعة أحرقت جلدها، و لكنها حين وضعت في ماء بارد استكانت وهدأت وحين ارتفعت درجة حرارة الماء شيئاً فشيئاً بقيت ساكنة فيه ولم تتمكن من اكتشاف التغير التدريجي حولها إلى أن سلقها الماء سلقاً؟

جامعة الإمارات