تمددت رقعة عنف الضواحي الباريسية كالنار في الهشيم. فاضت عن وعاء العاصمة بوتيرة متسارعة لتغمر عموم الساحة الفرنسية. وفي اليومين الأخيرين بدأت الاضطرابات تتسلل إلى الصحن الأوروبي، الذي بات مهدداً بالحريق نفسه.

بل ربما بالأسوأ. فأمس دخل السلاح إلى المواجهة وسقط القتيل الأول. فرنسا استحضرت قوانين الطوارئ. وقد يحصل الشيء ذاته في دول أوروبية أخرى، بدأت تعصف فيها رياح مشابهة.

وإذا تواصل التدهور والتمدد على ما هو عليه، فإن الوضع مرشح للانفلات التام، الخارج عن أية سيطرة، مع كل ما يترتب على ذلك من عواقب وتداعيات تطول شظاياها منطقتنا ومصالحها، ولن يسلم أحد من كلفتها وسلبياتها.

أساس الانفجار لم يعد موضوع جدل، حتى رئيس الحكومة الفرنسية، دبي فيليبان، وضع الإصبع على الجرح عندما تحدث عن غياب »العدالة« مع تأكيد العزم على التصدي لهذه العلة. وكأنه بذلك يعترف بتقصير، إن لم يكن بذنب، فرنسي قديم.

وقد أدى ذلك إلى تهميش لشرائح واسعة من الجالية المغربية العربية؛ وبالتالي إلى تعطيل عملية الدمج مع مجتمع وطنها الجديد. فكانت الحصيلة نوعاً من الغربة في الوطن.

الأمر الذي أسس احتقانات ومرارات تحولت مع الزمن إلى قنابل موقوتة؛ تنتظر اشتعال صواعق تفجيرها عند أول فرصة. وقد كشف مدى وسرعة انتشارها عن عمق الأزمة التي كانت راقدة تحت الرماد، والتي تم التعامل معها بطمر الرأس في الرمال.

حتى اللحظة مازالت الهبة ـــ التي سماها البعض بانتفاضة أو ثورة المهاجرين ـــ عفوية، بمعنى أنها غير مخططة ولا منضبطة تحت قيادة معينة. وربما يكون ذلك أحد المداخل للمعالجة.

بالطرق التي تتوسل التهدئة عبر الاتصالات والتطمينات، المستندة إلى وعود وخطوات تصب في تهدئة الخواطر وتزرع شيئاً من الأمل وفتح الآفاق أمام أفواج الجالية.

وفي هذا الإطار ربما كان من المفيد، بل من الضروري، أن تدخل الدبلوماسية العربية على الخط لتعزيز مساعي التهدئة. ففي ذلك خدمة للجالية من جهة وعوناً لحكومة شيراك التي تربطها علاقات ود وتقدير مع العديد من العواصم العربية. ذلك أن البديل قد يكون كارثياً على الطرفين.

وبالتحديد على المهاجرين الذين قد يتعرضون، في القارة الأوروبية التي تأوي الملايين منهم، لإجراءات انتقامية؛ تبدأ بارتفاع منسوب العداء لهم وتنتهي بالترحيل للعديد من بينهم. الأمر الذي يفاقم من محنتهم، ويرتب أعباء كبيرة على بلدانهم الأصلية.

الآن وقد أعلنت باريس صراحة عن تفهمها لجذور ما حصل، صار من المصلحة والمتوجب أن تنصب الجهود لعودة المياه الأمنية إلى مجاريها، فالأمور تجاوزت حدودها وباتت خطراً على الجميع.