هناك من يستغل الفئات المحرومة في كل دول العالم، والعنف والإرهاب كبرا وتشعبا في الأحياء المهملة بمدن الثراء الفاحش والتمييز الطبقي والعنصري.
وما يحدث في فرنسا ليس بعيدا عن كل ذلك، انه صورة حية للإهمال الاجتماعي والاقتصادي لأولئك الذين اعتبروا فرنسيين ببطاقات الهوية وعند التجنيد فقط، أما الخدمات وضروريات الحياة فهي ممنوعة عنهم، يعيشون في مدن »لصفيح«ان بنيت بالطابوق والاسمنت.
فهي لا تختلف عن ضواحي المدن في الدول الفقيرة، حيث لا إعانات ولا وظائف ولا تعليم ولا تطبيب، مع الإصرار على اعتبار سكانها مهاجرين حتى ولو كانوا فرنسيين ابا عن جد، فلم تشفع لهم تضحيات أسلافهم في البناء، ولم تغفر لهم ولادتهم على الأرض الفرنسية.
والغريب ان الفرنسيين وبعد ان شاهدوا هول الكارثة خلال الأيام العشرة الماضية تذكروا ان هناك دعوات لها 25 سنة تحذر من الخلل الناتج عن المستوى المعيشي للمدن وضواحيها.
وتنبه إلى ضرورة دمج المهاجرين في المجتمع الفرنسي، وتوصي بالعمل على إذابة النظرة العنصرية لليمين المتطرف، وتحض على توفير الخدمات الضرورية لهم، وتحذر من خطورة تنامي الشعور بالدونية لدى أبناء الفرنسيين المهاجرين.
وهم يتساءلون اليوم عن الأسباب التي حالت دون إصلاح ذلك الخلل، بل ويطرحون الأهداف الكامنة وراء انشغال الحكومة بالمظاهر وتركها لب القضية دون حل، ويستشهدون بقضية الحجاب.
وهي القضية التي أحدثت نوعا من الصدام بين الثقافتين الإسلامية والعلمانية في المجتمع الفرنسي، ومن كان الأولى ببذل الجهد والوقت والمال، تحسين معيشة الناس؟ ام البحث في ما يلبسون؟
قد يحل التعسف في استخدام القوة الاضطرابات في فرنسا، وقد يتمكن وزير الداخلية من التعامل مع »الحثالة« كما اسماهم باستخدام »المكانس« كنسهم، وقد يكتشف مئة تنظيم من التنظيمات المنتمية إلى عصابات المخدرات أو تجار الرقيق أو مراكز النفوذ.
وقد تكون من تلك التابعة للإرهاب الدولي بكل أشكاله، وربما تقف خلفها أجهزة استخبارات متمرسة، قد يكون كل ذلك، ولكن هناك حقيقة واحدة، وهي ان المجتمعات المتصالحة مع نفسها هي فقط التي لا تتوفر فيها البيئة المريضة الناقلة للعنف والإرهاب والفوضى.
وأسس هذه المجتمعات رعاية كل فئاتها دون تمييز بين طبقة أو أخرى، ودون إهمال لفئة على حساب فئة لاعتبارات اللون أو الدين أو الثقافة، ومن سار على هذا النهج سلم، ومن اختار نهج الإلغاء والتهميش فشل.
myousef_1@yahoo.com