موعد مؤتمر المصالحة العراقية، المقرر مبدئياً في 15 الجاري، بات على الأبواب، وحتى لو صار بحكم المؤجل لأيام أو أسابيع عدة، بسبب ضيق الوقت؛ فهو ما زال استحقاقاً ضاغطاً، ذلك أنه يتطلب الكثير من التحضير والتدبير والتنظيم.
لكن قبل كل شيء يقتضي ضمان الموافقات على المشاركة ومستوياتها، الأمر الذي يفترض تغليب الليونة اللازمة في التحفظات ووضع الشروط؛ من أجل تحقيق التلاقي، كخطوة أولى في عملية المصالحة، التي لا بدّ من الاعتراف والتسليم بتعقيداتها وصعوباتها.
نظراً لفجوات التباعد القائمة بين مختلف القوى والأطراف الفاعلة على الساحة العراقية، لكن وفد الجامعة العربية الذي وصل بغداد قبل يومين لاستكمال عناصر هذه الخطوة.
واجه وما زال، ما يجعل مهمته غير سالكة بالصورة المطلوبة، وفي ذلك ما يدعو للقلق على المبادرة العربية التي أطلقتها الجامعة؛ بمباركة عواصم كثيرة في المنطقة.
المبادرة التي عمل الأمين العام للجامعة العربية على تسويقها خلال زيارته، قبل أيام، إلى بغداد، لاقت يومذاك استجابة ملحوظة من القوى العراقية كافة. بقيت بعض التفاصيل غير الأساسية لمعالجتها خلال زيارة الوفد الحالية لبغداد.
وكان ذلك بحدّ ذاته بمثابة تطور إيجابي مهم، فهي المرة الأولى التي تطرح فيها مبادرة وفاقية، وبالتحديد عربية، والأهم أنها لم تواجه بأي فيتو أو مقاطعة، الكل شارك في المداولات بخصوصها وأبدى استعداده وترحيبه بخصوصها؛ مما ساعد على تكوين قدر من الزخم، في هذا الاتجاه، انفتحت معه كوّة أمل في جدار الانسداد العراقي.
لكن جولة وفد الجامعة، خلال اليومين الأخيرين، بدأت تصطدم بمزيج من المطالب والشروط والتحفظات؛ التي لم تسمح حتى اللحظة بوضع اللمسات الأخيرة على مشروع المصالحة ونقله، قريباً، إلى حيز التنفيذ. هذا المزيج مفهوم ومتوقع، بل له جدارته، في ضوء الخلفيات المعروفة.
لكن حدة وخطورة المأزق الذي يعيشه العراق والحاجة الملحة للعثور على مخرج، يوقف التدهور لإنقاذ ما يمكن إنقاذه؛ يفرض العضّ على الجرح، فوقف النزف له الأولوية، استمراره مدمر للأطراف كافة، ثم إن مشروع المصالحة هو بحد ذاته دعوة إلى التطلع إلى الأمام؛ من دون نسيان الماضي لكن ليس بالضرورة استخدامه كبوابة عبور إلى المستقبل.
طبعاً لا يعني ذلك التصالح مع النظام البائد الذي مات وانقضى، لكنه يعني توسيع المظلة الوطنية للمصالحة بحيث ينضوي تحتها أوسع وأشمل تكتل عراقي، على تعددية مشاربه وتلاوينه السياسية والمناطقية والحزبية وغيرها.
ولعل القبول العريض الذي حظيت به المبادرة يعكس إدراك العراقيين أنه لا مخرج من الدوامة الحالية القاتلة إلا عن طريق مشروع وطني ينهض على قاعدة مصالحة عراقية شاملة طرحتها المبادرة العربية.. فرصة لا يجوز تفويتها.