انتهى عرض المسلسل الذي حمل اسم الشاعر العربي الكبير نزار قباني؛شاعر الحب والنبض والوجدان، الشاعر الذي لم تهزه كل انتقادات الرافضين للتجديد في المدرسة الشعرية العربية .

وكل ما بدأ به مشواره الشعري من موضوعات كانت في تلك الحقبة من المحرمات التي لا يجرؤ احد على تناولها بكل هذا الوضوح والمباشرة. ولست هنا بصدد العرض للمسلسل الذي قد يكون لغيري من النقاد من يسهب فيه في حدود تخصصه،.

ولكن استوقفتني في إحدى الحلقات الأخيرة للمسلسل كلمة قالها القباني في حديث مع زملاء وصحافيين سوريين، كلمة أرجعتني إلى ثقافة كانت سائدة في الستينات والسبعينات من القرن الماضي بقوة وعقيدة، كلمة حلّ بدلا عنها النقيض أو الممارسة المشوهة.. قال لهم نزار » كل عام وأنت مقاتلون«.

القتال في العرف السائد حالة من الهمجية وعدم التحضر وسلوك غير سوي يفضي إلى المزيد من المشاكل والتبعات التي تقود إلى مزيد من الإحباط.. هذا صحيح.

ولكن هل كانت كل هذه الصفات موجودة في امتنا العربية التي كانت تحمل روح القتال من المحيط إلى الخليج؟ وأنا باعتباري من جيل عاش هذه اللحمة القوية مع مدلولات تلك الحقبة من الزمن أقول »لا«؛ فالشعب العربي كان ذا حس واحد بمختلف أقطاره وانتماءاته.

وكان رغم كل فترات الاستعمار البغيض التي هيمنت على أجيال وثروات لفترات طويلة بعضها امتد لمئات السنين يميل إلى الحكمة والسلام والتعايش الودي مع بقية الثقافات والقوميات حتى زرعوا في قلبه المقدس كيانا مارس أبشع وسائل القهر والتنكيل والقتل بشعب لا حول له ولا قوة.

إلا انه آمن كما آمنت شعوب كثيرة حينها بمواثيق ايزنهاور والأمم المتحدة فسلبت منه أرضه وطرد منها شيئاً فشيئاً حتى بات اغلبه مشتتاً في الأرض لأكثر من نصف قرن من الزمان وما زال.

إن ثقافة القتال التي استشرت في عالمنا العربي جاءت حينها من شعور عميق بالحيف والقهر والظلم بسبب اقتناع شعبنا العربي أن هناك ظلماً واقعاً عليهم.

وان هناك دولا عظمى تدعم وتبرر هذا الظلم، لا بل تحملنا نحن مسؤوليته، وترافق هذا بالطبع مع ظهور زعامات عربية ثائرة كالزعيم الراحل جمال عبدالناصر والثورة الجزائرية ورموزها الكبيرة.

وكذلك ظهور أحزاب مؤمنة بالمدرسة السوفييتية أو الصينية في نيل الاستحقاقات أو رد المظالم، هذا كله دفع باتجاه الإيمان بسياسة »ما أخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة.

ومن هنا بدأ الجميع يعمل من اجل شعار واحد »كل شيء من اجل المعركة«. المصيبة الجماهيرية العربية الكبرى كانت انه عندما جاءت هذه المعركة هزمنا فيها شر هزيمة.

وانسحبنا إلى حدود تعادل أكثر من ضعف المساحة التي كان العدو الصهيوني يحتلها قبل المعركة فكان الإحباط الأول ثم الإحباط الثاني الذي كان أمر وأقسى عندما أوهمونا بنصر مبين تحول بعد بضعة أيام إلى مأزق كبير وحصار لقواتنا المسلحة الباسلة بعد ثغرة هنا أو هناك.وهكذا تبدلت روح القتال عند العرب إلى روح القنوط والإحباط.

إن العرب اليوم محتاجون إلى روح قتال ولكن من نوع جديد، نوع يجمع بين القوة في الرأي والموقف، وأيضا القوة في مواجهة من يستهين بهم كأمة وكقوة وكمكانة تاريخية واقتصادية بما يمكن أن يكون التأثير على المستهين واضحا ومؤلما.. إن أميركا عندما احتلت العراق لا يمكن بأي حال من الأحوال أن تتوقع استقبالا بالزهور من الشعب العراقي والعربي .

وهي لم تقدم على غزوها في 2003 إلا بعدما تأكدت أن روح القتال عند العرب شبه ميتة، وأن لا حراك لمن تنادي، لذلك كان يجب أن تكون هناك مقاومة تلفت إليها الانتباه العربي والعالمي.

وبدأ الشارع الذي خدرته السياسات الإعلامية المكثفة يستفيق شيئا فشيئا ليستشعر من جديد وطأة الاحتلال وضرورة تكاتف الجهود من اجل إنهائه ولن نكون امة مصانة دون شعب قادر على حماية مصالحه عندما تصل إلى مثل هذه الدرجات.

قد تكون زيارة موسى للعراق مشاركة في الحرب على الاحتلال، وقد تكون قرارات الجامعة العربية ومجلس التعاون لدول الخليج العربية شيئا من هذا كذلك، وهي بالتأكيد بالنسبة لمن يستهدف المحتلين حرب مباشرة، ولكن المهم أن يبقى الجميع في موضوع حماية أمن الأمة وسلامتها عندما تصل إلى مثل هذه الدرجة من الاستخفاف بشعوبها.. »محاربون«.

Alkhattab26@hotmail.com