إن على العراقيين أن يعوا حقيقة أن العرب كانوا، خلال السنوات القليلة الماضية ،أعجز أن يفعلوا شيئا أكثر من الدعم المعنوي للفلسطينيين وإن دعوة بعض العرب للتشدد الفلسطيني لم يأت أكثر من مزيد من القضم للحق والمطالب الفلسطينية.
فرفض مبادرة كلينتون للسلام قادت الفلسطينيين وبضغوط عربية تالية نحو القبول بمبادرة أقل وتحمل تنازل أكبر للكثير مما يمكن أن تقدمه لهم المبادرة السابقة، كما أن عجز العرب عن التوصل لمخرج لمعضل السودان الجنوبي قد دفع نحو تدخلات دولية أقوى.
ولربما أكثر فعالية أو أنه بالأحرى قد خلق حاجة لتدخلات »أجنبية« تساعد في البحث عن الحل أو فرضه. كما أن عجز العرب عن إيجاد حل لمُعضل الصومال، قد جعل منه حالة مجتمع اللا ـــ دولة والتي قد تستمر بهذا الشكل لفترة زمنية قد تطول بعض الشيء.
وكما يبدو فإن العرب لن يكونوا قادرين على إخراج سوريا من مأزقها الحالي غير نصيحة القبول بما يسميه البعض بالإملاءات »الإمبريالية« في ثوبها التحالفي الجديد: الأميركي ـــ الفرنسي، بل إن حل المأزق السوري لا يتم إلا بالاتجاه نحو خلق حالة تصالحية مع المجتمع بكل قواه و قطاعاته.
من هنا فإن دعم العرب للعراقيين لن يتجاوز حالة الدعم التحريضي الذي تقدمه بعض الفضائيات العربيات أو إيران لعراقيي الجنوب أو لبعض أطرافهم. وبشكل عام فإن المواقف العربية قد اتسمت في عمومها بالانفعالية والاصطفافية أكثر منه قدرة على تبني المواقف الأكثر عقلانية والواقعية وذات الرؤية البعيدة المدى.
إن مصلحة العراقيين تقتضي بأن يتخذ العرب اما موقف التنحي أو الموقف القائم على حقيقة أن استقرار العراق يعني القبول به في شكله ومركبه الجديد، وإن عراق الماضي، لا يبدو أنه عائد ثانية له..
بمعنى أن يمتنع العرب عن تأجيج أطراف عراقية ضد أخرى و أن يساعدوه على أن يحل معضله بالحوار والتنازل المتبادل وإن الانفراد بالسلطة كما كان عهد صدام السابق أو الإقصاء لن يشكل العراق الجديد و لن يبني له المستقبل.
ومع ذلك فإننا يجب أن نقر بحقيقة أن دور الجامعة العربية في الشأن العراقي لم يتجاوز تلك المخاوف التي أطلقها أمينها العام حول الدستور العراقي.
وإن محاولتها الجديدة في إشاعة روح الوفاق بين أطرافها رغم دعائنا لها بالنجاح، إلا أنها بحاجة لأعمال أكبر على أرض الواقع العراقي بين الأطراف العراقية المختلفة التي هي في واقع أمرها بحاجة لأفق جديد و فكر جديد يتجاوز تلك الأبنية السياسية و الفكرية التي أقامتها الأنظمة العراقية المختلفة المتعاقبة على حكمه خلال الخمسة عقود الماضية..
. أو التي جاء بها بعضها من الخارج. بناء جديدٌ ينطلق من حقيقة أن بناء المستقبل يحتاج لعقل جديد و فكر جديد وممارسات سياسية جديدة تتجاوز في ذلك حالة نظام صدام حسين السابق أو حالة أيديولوجيات قوى الإسلام السياسي والقومي التي لم يتجاوز بعضها حالة الفكر الإقصائي أو الثأري و لربما الطائفي للنظام العراقي السابق.
فكأنه في ذلك يعيد ظلم المظلوم لظالمه، فيما يتعلق بإصرار الجماعات السياسية على اجتثاث البعث والإقصاء الكلي لكل رجالات النظام السابق حتى من احتل منهم الرتب الدنيا في هيراركية النظام البعثي السابق.
إن تجاوز المعضل العراقي يتطلب من العراقيين أن يتساموا على جراحهم و أن يبنوا مستقبلهم بعيدا عن أهوائهم وأيديولوجياتهم الآنية و رغبات طوائفهم أو أحزابهم السياسية الضيقة أو تلك المغرقة في الضيق.
إن العراق لن يحل مشكلاته بالاتجاه نحو الخارج أو بالاستقواء به. كما أن مشكلات العراق لا يمكن أن تحل من خلال معارك برامج القنوات الفضائية العربية أو من خلال تلك الدعوات المنطلقة منها. ان الحل لمعضل العراق السياسي القائم لا يأتي إلا من خلال القبول بقدر من الحوار والقبول بالتنازل المتبادل.
والقبول بحقيقة أن المشكلات القائمة لا يمكن أن تحل إلا بقدر من التدرجية والمرحلية. وإن خطوة سياسية للأمام أفضل ألف مرة من التخندق في مواقع لا تتحرك لم تجلب له إلا الموت و الدمار.
وأن تقبل الأطراف العراقية المختلفة بحقيقة أن جوهر العراق قد أختلف يوم سقط معها تمثال طاغية العصر ونظامه، وإن العودة للوراء تبدو مستحيلة أو أنها أقرب منها، وأن بناء المستقبل لا يأتي بالثأر والقتل والتدمير، و إنما يأتي بالتسامي والتسامح والقبول بالآخر.
والإقرار بحقيقة أن غلبة فئة معينة على فئة أخرى مهما صغرت أو علت لن يبني المستقبل، بقدر ما سيكون مدمرا له. فالتجربة الصومالية الحالية والأخرى الأفغانية قبل السقوط الطالباني المريع.
كما هي الحالة العراقية قبل سقوط نظام صدام حسين، تؤكد حقيقة أن القبول بالتنوع وبمبدأ الحقوق المواطنية وبالديمقراطية هو البديل لحالة حروب الطوائف و العشائر والأثنيات.
كما أنه صمام الأمان الوحيد لمنع أي عودة جديدة للدكتاتورية. فهل يعي العراقيون ذلك؟، بل هل هم قادرون على تجاوز نزوعهم ونزعاتهم المذهبية والأثنية الضيقة بل حتى تلك المغرقة في المناطقية من أجل عراق جديد يحتضن كل أبنائه ويتجاوز كل نزعات بعضهم الماقبل حضارية؟
كاتب بحريني