عذراً قرائي وزملائي وذاك القابع في البعيد يرمقني استعلاء ويصادر مائي وترابي وهوائي إن لامست خياشيمكم رائحة طوباوية تفوح من الحبر الذي أكتب به هذه الكلمات، لأنها قد لا تحمل جديداً يذكر بالنسبة للكثير منكم.
أو لأنها قد تبدو من البدهيات التي يعرفها الجميع ولا يختلف عليها اثنان، خاصة وأنها تحدث ويتكرر حدوثها صباح مساء على مرأى ومسمع كل من يتمتع بهاتين النعمتين، فضلاً عن نعمة التفكير التي تميزنا كبشر عن باقي مخلوقات الكون.
لكن على الرغم من أن صفة التواتر هي السائدة في هذه الحالة، إلا أن هذه الصفة لا تستطيع أن تلغي اندفاع العقل نحو التوقف، بفطرته السليمة، عند مفارقات باتت تشكل سمة تاريخنا المعاصر، إلى درجة يصعب معها إحصاء عدد المرات التي تحدث فيها مفارقة هنا أو هناك بصورة ثابتة.
فبينما يتصاعد الآن اهتمام المجتمع الدولي، ممثلاً بالأمم المتحدة وميثاقها وقراراتها ولجانها، حيال حادثة اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري.
وذلك باتجاه معرفة هوية مرتكبي هذه الجريمة البشعة بكل المقاييس، يحيي الشعب الفلسطيني والأمة العربية والإسلامية وشرفاء العالم الذكرى الأولى لاستشهاد الزعيم الفلسطيني الراحل ياسر عرفات، التي تصادف في الحادي عشر من شهر نوفمبر الجاري، من دون أن تثير هذه الحادثة اهتمام الكثير أو غالبية الجهات الفلسطينية أو العربية أو الدولية.
لا سيما الرسمية والمتنفذة منها، وذلك رغم الدعوات والمناشدات الشعبية والتنظيمية أحياناً بفتح تحقيق رسمي للوقوف على حقيقة هذه الحادثة التي ترقى إلى مستوى الاغتيال، حسب المعلومات المتوافرة حتى الآن والتي تستحق أن يصار إلى تبيان الخط الأسود من الأبيض فيها.
فعلى سبيل المثال لا الحصر، نشرت صحيفة »هآرتس« الإسرائيلية في 8 سبتمبر الماضي تفاصيل، أقل ما يقال فيها انها تثير التساؤلات والشكوك حول وفاة أبو عمار، ولقد اقتبست الصحيفة المذكورة هذه التفاصيل من كتاب إسرائيلي يحمل عنوان »الحرب السابعة«، الذي يلقي الضوء على الحرب الإسرائيلية الفلسطينية.
ويفيد بأن عدداً من الأطباء الإسرائيليين والأجانب من الذين اطلعوا على التقارير السرية الخاصة بملابسات رحيل الزعيم الفلسطيني التاريخي، توصلوا إلى استنتاج لا لبس فيه يشير إلى أن الوفاة حدثت جراء تسميمه أو إصابته بمرض الإيدز نتيجة حقن الجرثومة في دمه.
وهذا الكلام يؤكده كذلك الطبيب الأردني أشرف الكردي، الطبيب الشخصي للرئيس عرفات، الذي يقول إن الأطباء الفرنسيين عثروا على عوارض مرض الإيدز في دم عرفات.
وانه تم حقن جرثومة الإيدز في دم عرفات لتمويه عوارض التسمم، التي تسببت بوفاته، علماً بأن هذه الأقوال والاستنتاجات لا تشكل سوى نقطة في بحر تلك المعلومات التي تؤكد حادثة الاغتيال، فضلاً عن الغموض الذي لف قرار نقله إلى باريس من دون أن يرافقه الدكتور أشرف الكردي في رحلة العلاج إلى العاصمة الفرنسية.
كرمز لأسمى قضية يشهدها التاريخ المعاصر، ألا وهي القضية الفلسطينية، ليس كثيراً على عرفات أن يعاد بناء ضريحه في رام الله .
وأن يتحول هذا الضريح إلى متحف يضم متعلقات الرجل التي استخدمها طوال حياته وأن تتم عملية إعادة بناء الضريح بحجارة من القدس الشريف لما تمثله هذه المدينة من رمز وطني وديني لدى الشعوب العربية والإسلامية.
وأن يعاد بناء الضريح على مساحة مائية تعطي بعداً رمزياً لحالته المؤقتة، بيد أنه ليس كثيراً أيضاً على هذا الرمز التاريخي أن تتضافر كل الجهود المخلصة سعياً وراء تشكيل لجنة تحقيق دولية لمعرفة من قتل ياسر عرفات.