خضعت مختلف شعوب الأرض وعلى مدى التاريخ لأنظمة حكم مطلقة قام الحكام من خلالها بالانفراد في اتخاذ القرارات المصيرية واستخدام أجهزة الدولة للسيطرة على الناس واستعبادهم.
ورغم الظلم الذي لحق بالناس في ظل أنظمة الحكم المطلقة، إلا أن أغلبية الشعوب، وفي غالبية الأحيان، استمرأت الظلم وقبلت به طواعية، وذلك لضعف الوعي لدى غالبية الناس بأهمية ونوعية الحياة عامة.
وفي الواقع، لم تتذوق معظم الشعوب في الأزمنة القديمة طعم العيش في ظل أنظمة حكم عادلة غير مستبدة، ولم تحاول جاهدة استبدالها، بل قامت في معظم الأحيان بالمساهمة الفاعلة في إعادة بناء ما دمر منها.
ومن الأسباب التي خدمت الحاكم على حساب المحكوم ترعرع الناس في كنف نظم تربوية عائلية تتمركز المسؤوليات والصلاحيات فيها في شخص الأب، ونظم مجتمعية تقوم على تقاليد وعادات وأعراف وقيم متوارثة جامدة وقاسية ولكن ذات شرعية غير منقوصة.
وهذا جعل إنسان العصور القديمة وشبه القديمة يفتقد معنى الحرية ويعجز عن إدراك أهمية وجودها ودورها في حياته. إلى جانب ذلك، افتقد الناس في حينه مفهوم المجتمع حيث تكونت معظم الشعوب القديمة من مجموعات وتجمعات متفرقة من أفراد وعائلات وعشائر وقبائل لا تشعر بانتماء لوطن أو ولاء لأمة أو التزام بقضية جماعية أو مجتمعية.
إن تشتت الأوضاع المجتمعية والتجمعات الإنسانية في العهود القديمة عامة، وفشل الإنسان في إيجاد أجوبة شافية لما طرحته أحجيات الطبيعة والحياة في حينه من أسئلة، ووعي البعض في ذات الوقت لضرورة توحيد أفراد المجتمع حول قيم ومعتقدات مشتركة كانت محفزات رئيسية قادت إلى ظهور بعض الديانات.
ولقد جاء تبلور هذه الديانات في أواسط عصر الزراعة، أي قبل حوالي 5000 سنة، وذلك بعد أن تمكن الإنسان من تأمين متطلبات الحياة الأساسية وتخصيص بعض الوقت للتأمل في حال الكون والبحث عن أسراره.
وتشير الدراسات التاريخية والانثروبولوجية إلى أن كل الديانات الرئيسية السائدة في عالم اليوم، باستثناء اليهودية، ظهرت قبل حوالي 2000 سنة خلال فترة لا تتجاوز 700 سنة.
وهذا يعني أن التحول إلى نمط الإنتاج الزراعي ونضوج مجتمعه كان قد وفر البيئة الملائمة لظهور هذه الديانات، وقام بتشكيل البنية الاجتماعية التي مكنت المؤسسة الدينية من الاستحواذ على مكانة مجتمعية مرموقة ساعدتها على ترسيخ هيبتها ونفوذها في المجتمع.
وحيث أن المجتمع الزراعي الأول ظهر على ضفاف النيل، فإن المجتمع المصري كان سباقا في توفير القاعدة الاقتصادية والبنية الاجتماعية الحاضنة للدين، والتي مهدت لظهور اليهودية وغيرها من ديانات أخرى.
جاء ظهور الدين نتيجة لحاجة نفسية ومن خلال عملية تفكير ومخاض ذهنية استغرقت آلاف السنين، مما جعل بعض الأديان وما انبثق عنها من أفكار ونظريات وما ارتبط بها من قيم ومعتقدات تترسخ تدريجيا في النفوس .
وتتعمق في بنية المجتمع وتغدو قوة اجتماعية مهيمنة على العقل، مما قاد إلى حرمان العقل الإنساني حرية التفكير والتجوال في عالم الغيب والحياة واستنباط نظريات ومفاهيم مجتمعية ومعارف جديدة مختلفة عن المعرفة الدينية.
وعندما طغى الفكر الديني المتزمت على أوروبا وسيطرت الكنيسة على حياة الفرد والمجتمع، دخلت القارة الأوروبية وشعوبها عامة عصورا حالكة الظلام سادها الظلم والإقطاع والعبودية وحكم الطغاة.
ولقد قامت الكنيسة وفكرها خلال تلك العصور بمحاربة الأفكار الجديدة والنظريات العلمية وتكفير من خالفها الرأي ومن شكك في تعاليمها ودعم النظم الاستبدادية وتبادل المصالح معها، مما أدى إلى انتشار التخلف وشيوع الجهل والفساد.
بعد انهيار الإمبراطورية الرومانية ومركزية الحكم فيها، تراجعت التجارة وتدهورت البنية التحتية وطرق المواصلات وانتشرت الأمراض والأوبئة وتدنت مستويات المعيشة وساد الظلم والبؤس. لكن الدافع الاقتصادي والمصلحة في تحقيق الربح جمعت بين الكثير من الأضداد وحتى الأعداء الذين التفوا حول هدف تنشيط التجارة وتشجيع الحرف والحرفيين.
ولقد تبع ذلك ظهور الأسواق الإقليمية والمدن التجارية التي أصبحت مع الأيام ملجأ للفارين من ظلم الإقطاع والإقطاعيين والباحثين عن الحرية والمشتغلين بالحرف والفنون والآداب والفكر.
وفي غياب مركزية الحكم، وضعف قدرات الكنيسة والدولة على رقابة الناس ومراقبة أعمالهم، وتغاضي الكنيسة عن النشاطات التجارية التي كانت تعود عليها بالفائدة، حصلت العديد من المدن على استقلالها وانتعشت الحركة الثقافية والفكرية والعلمية عامة.
وفي حوالي منتصف القرن الخامس عشر بدأت أوروبا تتحرك في اتجاه تعزيز مبدأ الحرية وإعلاء شأن العلم وتحرير التجارة وتنمية الصناعة وبناء الدولة القومية. لكن وقوع تلك الدولة تحت سيطرة أيديولوجية عقيمة وعنصرية جعلها تحمل معول الاستعمار وتتجه نحو نهب ثروات الشعوب الفقيرة والمتخلفة.
لقد استمرت أنظمة الحكم المستبدة في السلطة طويلا، وذلك حتى ميلاد وعي فردي وطبقي في المجتمع في عصر النهضة الأوروبية، وظهور المثقف الملتزم بقضايا الحريات العامة والدفاع عن مصالح المحرومين. ويمكن القول عموماً، إن القرن السابع عشر الذي شهد قيام بعض الفلاسفة بطرح مفهوم العقد الاجتماعي.
شهد أيضا ميلاد وعي اجتماعي واتجاه بعض الشعوب إلى تغيير نظرتها للسلطة المطلقة وموقفها من ممارساتها الاستبدادية. ولقد ساهمت حركة الإصلاح الديني في ذلك القرن في منح مفهوم المسألة المجتمعية والحرية الفردية بعدا دينيا.
ومع تبلور الدولة القومية واتجاهها لتأسيس ثقافة قومية وهوية وطنية لم يعد بإمكان أنظمة الحكم إهمال الشعوب والتصرف وكأن ليس لها دور أو مصلحة أو رأي فيما يجري حولها.
لكن المنعطف التاريخي بالنسبة لتراجع شرعية وشعبية نظم الحكم المطلقة جاء مع وقوع الثورة الصناعية، حيث كان من تبعاتها المهمة ظهور الطبقية في المجتمع الصناعي وميلاد مفهوم الوعي الطبقي وتبلور الوعي الاجتماعي.
رغم التحرك الأوروبي نحو التقدم العلمي والتنمية الصناعية منذ منتصف القرن الخامس عشر لم تنجح المحاولات الأوروبية في كسر هيمنة الكنيسة الا بعد وقوع حروب الإصلاح الدينية التي دامت نحو ثلاثين سنة وراح ضحيتها الملايين من الأبرياء، وانتهت بانتصار قوى التحرر الفكري والفكر العلماني على الكنيسة وفكرها اللاهوتي.
ربما كان من الممكن أن يتم التغيير بطرق سلمية، لكن قيام الكنيسة بمعاداة التغيير وتكفير الفلاسفة والعلماء، وحتى علماء اللاهوت الذين قاموا بتوجيه النقد لممارساتها الدنيوية وتعليماتها الدينية قفل باب الحوار وحتم التصادم وسفك الدماء.
لقد كانت هزيمة الكنيسة الكاثوليكية وانتصار حركة الإصلاح الديني بمثابة زلزال مجتمعي عبد الطريق لدخول رياح التغيير والتنوير وسيادة العقل والعقلانية. وليس لدي من شك في أن الإصلاح الديني والتحرر الفكري ما كان له أن يتم لو أن التحدي اقتصر على قوى العلم والعلماء وآراء المفكرين ونظريات الفلاسفة ومواقف المثقفين.
إن كون التحدي الفكري والأخلاقي الذي قاده دعاة الإصلاح الديني قد جاء من داخل الكنيسة نفسها وتحدث باسم الدين ومن أجل إصلاح المؤسسة الدينية جعله يكتسب شرعية واسعة ساعدته على النجاح. وهذا تسبب في فتح كل الأبواب لخروج الحرية من سجونها والانتشار في بقية أنحاء العالم.
مما يجعل جميع أحرار العالم، بمن فيهم أتباع الديانات والثقافات المختلفة من أقليات دينية وعرقية تعيش في الغرب، مدينون بالقدر الذي يتمتعون به اليوم من حرية لحركة الإصلاح الديني وما ترتب عليها من تطورات مجتمعية، خاصة في مجال الحريات الفردية والاجتماعية.
لقد تبع المنطق العقائدي لبعض الأديان وتتبع أثره أيديولوجيات سياسية واقتصادية وفلسفية قامت بدور مساعد في الهيمنة على المجتمع ومحاصرة العقل، ومن بينها القومية والرأسمالية والماركسية. وحيث أحكمت الأيديولوجية هيمنتها على حياة الفرد والمجتمع، ليبقى العقل البشري مكبلا بقيود أيديولوجية فوقية، وأنماط فكرية تبريرية.
ومواقف قيمية وفلسفية. وهذا يجعل بعض الأزمات المجتمعية العالمية الراهنة لا تزيد عن كونها عوارض مرضية لأزمة عقلية عقائدية، ومظهراً لمنهجية فكرية قاصرة بالدرجة الأولى.
أكاديمي أميريكي من أصل عربي
professorrabie@yahoo.com