"لكل شيء مبتداه ومنتهاه" بهذه العبارة لخص المعتمد بن عباد الحكاية كلها وهو يواجه وزيره المتمرد الخائن ابن عمار، بعد أن استعاده متلطفا بالحيلة في القبض عليه من ابن هود "أمير سرقسطة" الذي لجأ إليه ابن عمار في رحلة بحثه عن الملجأ الآمن بعد أن خان الأمانة.
وفي قصة صعود وهبوط ابن عمار عبرة لكل أولئك المتسلقين الذين يفتح الحظ لهم أبوابه، فيعميهم الطمع والغرور عن إدراك الحقيقة، ليتدخل القدر فيعيدهم إلى صوابهم أو يعيد الصواب إليهم، ألم تأتنا عاريا فكسوناك، وأتيتنا جائعا فأطعمناك، وكنت خاملا فرفعناك؟ .
بهذه الحقائق واجه المعتمد وزيره السابق الذي بدأ حياته شاعرا مدّاحا، يطوف على ملوك الأندلس بثياب رثة، يمدحهم فيرده البعض، ويتعطف عليه البعض بما تجود به نفسه، حتى ساقته الأقدار إلى باب المعتمد بن عباد أمير اشبيلية وقرطبة وما حولها، فقربه واستوزره ولقّبه بذي الوزارتين؛ أي وزارة السيف والقلم، وخاصم فيه أباه وأهل بيته.
وكان يأنس إليه ويستمتع بأدبه وشعره لكن طموحه تجاوز حدود الشعراء فهفت نفسه إلى الإمارة وقد واتته الفرصة عندما كلفه المعتمد بغزو مدينة "مرسية" فاستولى عليها مستعينا بملك قشتالة »ألفونسو« لقاء مال وفير تعهد المعتمد بدفعه إليه، كما استعان بعبدالرحمن بن رشيق أمير حصن "بلج".
كان عبدالرحمن بن طاهر أمير "مرسية" واحدا من أولئك الأمراء الذين وقف ابن عمار ببابهم ذات يوم مادحا متطلعا إلى جودهم، فلما استولى ابن عمار على "مرسية" واستخلصها منه ذكّره ابن طاهر بالأسمال التي كان يفد فيها عليهم.
فما كان من ابن عمار إلا أن واجهه بالحقيقة الماثلة أمام عينيه وقتها، طالبا منه أن ينسى الماضي وأن يتذكر أن هذا هو مبتداه، ليرد عليه ابن طاهر قائلا: ولكن تذكّر أن لكل شيء منتهاه أيضا.
مازالت النشوة التي تسري في نفوس أولئك الذين يتربعون على الكراسي سرًا من الأسرار لا يدركه إلا من ذاق حلاوة الكرسي وتطلع إليه، لكن عيب هذه النشوة أنها تفقد من يذوق طعمها الصواب وتدير رأسه فلا يحسب حسابا للعواقب.
وقد ذاق ابن عمار طعم هذه النشوة، وسرت في أوصاله عندما ولاه المعتمد على "مرسية" فاستقل بها وتمرد على ولي نعمته، ولم يكتف بذلك بل أخذ يهجوه وزوجته اعتماد الرميكية شعرا.
ولأن حبل الخيانة قصير حتى لوطال، فقد انقطع هذا الحبل، ودارت الكأس ليشرب منها ابن عمار نفسه، إذ انقلب عليه ابن رشيق وجنوده فأخرجوه من "مرسية" ليلجأ إلى حليفه السابق "ألفونسو" الذي آواه فترة رغم أنه قد غدا ورقة محروقة.
ثم سار إلى "سرقسطة" لاجئا عند أميرها ابن هود، حتى استرده المعتمد الذي أودعه السجن ثم قتله بيده، رافضا قصائد الاستعطاف التي نظمها فيه بعد فوات الأوان.
قاعدة "المبتدأ والمنتهى" هذه ليست حكرا على فئة دون فئة، فالكل خاضع لها، تنطبق على عِلية القوم كما تنطبق على القابعين في قاع المجتمع، لكنها أكثر ما تكون وضوحا وانطباقا على أولئك الذين يرتقون سلم المجد سريعا عن غير استحقاق، أو بوسائل ملتوية، ثم ينحدرون من القمم التي ارتقوها بالسرعة نفسها التي ارتقوا بها.
ولذلك فإن من يقرأ التاريخ يجده سلسلة متصلة الحلقات، تتغير فيها الوجوه بينما تتشابه الأحداث، حتى إن ابن عباد نفسه، سليل الأسرة العربية الحاكمة العريقة، كان منتهاه سجن "أغمات" بالمغرب، رغم مبتداه المشرق، وخط سير حياته المختلف!
وهكذا تدور عجلة التاريخ منطلقة من الماضي لتصلنا بالحاضر، حيث فيه من العبر ما لا يختلف كثيرا عن سير السابقين الذين لم يعودوا للبعض منا أكثر من أبطال روايات ومسلسلات نزجي بها أوقاتنا.
فهؤلاء الذين يقفون اليوم في أقفاص الاتهام، تجرى لهم المحاكمات المهينة كانوا ذات يوم الجالسين على كراسي الحكم، يتحكمون في رقاب العباد ومصائر البلاد، يرفعون من يشاؤون إلى أعلى المراتب ويضعون من يشاءون، ولا يتورعون عن قيادة من يشاءون إلى السجون ومنصات الإعدام والحفر، فكيف دارت عليهم الدوائر وآلت مصائرهم إلى ما آلت إليه؟!
هاهو الطاغية شاوشيسكو الذي حكم رومانيا بقبضة من حديد يقول في طهران قبل أيام من إعدامه عندما سئل عما يجتاح أوروبا الشرقية من زلزال: إن ما يحدث صحيح، ولكن الأوضاع في رومانيا مختلفة، وعندما تنبت شجرة التين بلوطا قد تتغير الأوضاع في رومانيا! لكن شجرة التين ظلت تنبت تينا فلم تطرح بلوطا، ومع ذلك فقد تغيرت الأوضاع في رومانيا.
وكانت البداية اعتراض قس متواضع مجهول في مدينة "تيميشوارا" وصفير ساخر من جمهور محتشد مقموع، لا حول له ولا قوة أمام سطوة أجهزة أمن شاوشيسكو وجبروتها التي لم تستطع أن تحول بينه وبين الشعب الذي أعدمه وزوجته بعد يوم واحد من تمثيلية بيعة بوخارست التي أراد بها إظهار شعبيته.
وكذلك فعل الشعب الإيطالي بزعيمه الفاشي المهزوم "موسوليني" عام 1945 عندما علقته الجماهير الغاضبة هو وعشيقته "كلارا" ومعاونيه من أرجلهم – كما تقضي الأعراف الإيطالية القديمة – في محطة بنزين بمدينة ميلانو.
وقامت بإعدامهم جميعا، فكان عبرة لحليفه النازي هتلر الذي أطلق النار على نفسه، بينما سممت زوجته »إيفا براون« نفسها، وتم حرق الجثتين بناء على وصيته، خوفا من التمثيل بهما كما حدث لحليفه الفاشي و عشيقته، حتى أنه لم يتم التعرف إلا على بقايا أسنانه بعد سقوط برلين عام 1945.
ربما نختلف على مدى مشروعية محاكمة صدام، وربما نختلف على مدى عدالتها تبعا لانتماءاتنا الفكرية والأيديولوجية والوجدانية أيضا، ولأسباب مختلفة وعديدة لا مجال لحصرها.
لكن الحقيقة التي لا يمكن أن نختلف عليها هو ما آل إليه مصيره بعد خط بياني لم يختلف كثيرا عن خطوط الكثيرين من أمثاله عبر مراحل التاريخ المختلفة. وإذا كنا قد عرفنا سير السابقين من خلال ما دونته كتب التاريخ عنهم.
وما جسّدته الأعمال السينمائية والتلفزيونية مستمدة مادتها من هذه الكتب، فإن الأجيال القادمة لا شك ستكون أوفر حظا منا لأنها سترى سير المعاصرين وأعمالهم موثقة بالصوت والصورة مباحة للجميع على مواقع الانترنت، فهل تراها ستختلف عليهم .
كما نختلف نحن اليوم على أولئك الذي لا تنطبع في أذهاننا عنهم سوى وجوه الممثلين الذين يقومون بتجسيد شخصياتهم على الشاشة، وكما نختلف على النماذج التي تعيش بيننا، وكما نختلف على ضوء الشمس الذي يراه بعضنا واضحا جليا، ويتعامى عنه البعض فينكر وجوده؟
ربما.. لكن المهم هو أن نتفق على أن لكل شيء مبتداه ومنتهاه.. فهذه هي سنة الحياة.
كاتب إماراتي
aliobaid2000@hotmail.com