لم تتوقف عمليات تغيير الطابع العربي الفلسطيني لمدينة القدس الشرقية، منذ الاحتلال الاسرائيلي للمدينة عام 1967 حتى يومنا الحالي: فقد صادرت السلطات الاسرائيلية آلاف الدونمات داخل المدينة، وفي محيطها الأوسع.
واقامت على الاراضي المصادرة حزاما ضيق الخناق على القدس العربية، وحاصرها من جهات الشرق والشمال والجنوب، ومنع اي توسع عمراني للمواطنين الفلسطينيين المقدسيين، وفرض شروطا ليست بالسهلة على اعطاء تراخيص البناء لهؤلاء المواطنين، مما دفع باعداد لا يستهان بها منهم لمغادرة المدينة، والسكن في ضواحيها غير المشمولة بالتوسع الذي فرضته السلطات الاسرائيلية لبلدية القدس، عقب الاحتلال مباشرة.
وآخر الاجراءات التي كشفت عنها وسائل الاعلام الاسرائيلية قبل يومين فقط، وسارعت السلطات الاسرائيلية - وفقا لهذه الوسائل الاعلامية - الى تأكيدها هو مخطط لاقامة حي استيطاني في حي الشيخ جراح بالقدس يضم 90 مسكنا. وبحسب الصحف الاسرائيلية ذاتها، فان هذا المخطط قد حصل بالفعل على اول التراخيص الضرورية لتنفيذه.
ويتعلق الامر بفندق شيبرد، وهو من المعالم التاريخية المميزة لمدينة القدس، وقد اقيم المبنى قبل اكثر من قرن. وهناك مزاعم يتوجب التحقق منها، قانونيا، بشأن صفقة لشراء الفندق لصالح المليونير الاميركي اليهودي، ارفين موسكوفيتش عام 5891، لكن السؤال الذي يطرح نفسه بالفعل هو: من الذي سيحرك هذه القضية؟ وهل باستطاعة المالكين الاصليين للفندق تحريك القضية بالفعل، ولماذا لم يقدموا على هذه الخطوة حتى الآن؟ ثم ما دور السلطة الفلسطينية في اي تحرك من هذا القبيل؟.
ويعيد اسم موسكوفيتش الى الاذهان الصفقة الاخرى المزعومة، لشراء مبان في راس العامود وابو ديس تحولت لاحقا الى بؤر استيطانية، دون ان تفلح الاعتراضات التي تقدم بها اصحاب هذه المباني في استعادتها. واصبحت هذه البؤر واقعا مفروضا بقوة الاحتلال العسكرية، شأن سائر المستوطنات المحيطة بالمدينة المقدسة شمالا وشرقا وجنوبا. حتى وان اعتبرت الاسرة الدولية هذه المستوطنات غير شرعية، واكدت انها تشكل عقبة كبرى امام عملية السلام، والتسوية السلمية العادلة.
وهكذا تتواصل عملية تهويد القدس العربية، من خلال اقامة المزيد والمزيد من الاحياء الاستيطانية اليهودية فيها، والعمل المكثف لتحقيق التواصل الجغرافي بين هذه الاحياء على حساب التجمعات السكانية العربية، وابتلاع مساحات كبيرة من الاراضي الفلسطينية التي تتآكل يوما بعد يوم ليضيع الطابع العربي للمدينة المقدسة ، في الوقت الذي ينشغل فيه الاشقاء العرب بنزاعاتهم ومنازعاتهم الداخلية، وصراعاتهم مع القوى الاجنبية الطامعة، الساعية الى بذر بذور التفرقة والانقسام في صفوفهم.
وعلى الرغم من هذا الواقع المزري فان الحاجة ماسة الى وقفة جادة، وحازمة، امام تهويد المدينة المقدسة. وهناك الهيئات الدولية والمراجع القضائية التي تنتظر اي تحرك فلسطيني، او عربي، او اسلامي، في هذا الاتجاه.