عندما يتكلم العرب من الخليج إلى المحيط بلغة عربية واحدة، بالرغم من أنهم لا يتحدثون بلغة سياسية واحدة.. يخطئ البعض حينما يتصور أن نداء الوحدة العربية هو مجرد شعار لا جذور له على أرض الواقع.

أو هو نوع من الرومانسية السياسية، مع أن السياسة هي فن الممكن في الواقع وليست مجرد خيال، أو هي تعلق بحقبة سياسية ماضية، بينما الحاضر يتغير والمستقبل يتطلب صيغ أخرى تناسب العصر.

في حين أن الواقع يقول إن الأصل هو الوحدة، والتقسيم الذي فرق الجسد العربي بإرادة »سايكس« و»بيكو« عام 1916 هو الطارئ، والدعوة إلى العودة إلى الأصل لا يمكن أن تكون شعاراً بقدر ما هي محاولة لتصحيح أوضاع خاطئة، فرضتها إرادة المستعمرين وليست إرادة العرب.

والدعوة للوحدة العربية لا يمكن أن تكون نوعاً من الرومانسية السياسية بل هي الاستجابة الواقعية للتحديات السياسية والاقتصادية والأمنية التي تهدد الوجود العربي، والتي لا تكتفي بما تم من تقسيم للجسد العربي، بل تسعى للمزيد من التقسيم والتجزئة »تقسيم المقسم، وتجزئة المجزأ«.

والوحدة العربية ليست دعوة ما ضوية لا تتعامل مع متغيرات الحاضر ولا مع صياغات المستقبل، وإنما هي في الأساس دعوة في الحاضر لبناء حائط الصد المطلوب في مواجهة للهجمة التي تريد الهيمنة والسيطرة على المنطقة من جديد، اعتماداً على التعامل مع كل جزء على حدة، والاستفراد بكل دولة على انفراد.

والذين يتصورون أنها صيغة لا تصلح للمستقبل في ظل عولمة تذيب الهويات القومية للشعوب واهمون، لأن الوحدة أصبحت هي صيغة الحاضر والمستقبل معاً في عالم اليوم، وإلا فنظرة واحدة لطبيعة القوى الكبرى المهيمنة والمؤثرة والمتحكمة في عصر العولمة تشير إلى انها اتحادات كبرى.

خريطة القوى العالمية الكبري تشير إلى الولايات »المتحدة« الأميركية، التي تضم 50 ولاية.. وإلى »الاتحاد« الأوروبي الذي يواصل التوسع والذي يصل إلى الحدود العربية السورية والعراقية مع بدء محادثات ضم تركيا، وإلى »الاتحاد« الروسي والذي تناقص تأثيره في العالم بعد تفكك الكيان الأكبر »الاتحاد السوفييتي«.

خريطة الحاضر والمستقبل حافلة إلى جانب الاتحادات القائمة باتحادات تتشكل استجابة لتيار بناء الكيانات الكبرى الاتحاد الافريقي والتكتلات الدولية الأخرى »كالآسيان« و»الكومنولث« و»النافتا« لأن العصر لم يعد يعترف بالكيانات الصغرى ومالم تتوحد في كيان أكبر ستكون عرضة لمخاطر الابتلاع أو الذوبان.

المسألة هي في غاية الجد وليست شعارات فارغة لدغدغة العواطف، أو لصنع الضجيج. المسألة هي استجابة لمتطلبات واقع في الحاضر والمستقبل، وليست صدىً لشعارات الماضي. المسألة تتعلق بتوفير عناصر الوجود، وبتوفير متطلبات التنمية لحل مشكلات التخلف والفقر والبطالة التي تزحف على المجتمعات العربية.

فلا يمكن في الواقع بناء تنمية حقيقية تفي بطموحات شعوبنا إلا بتكامل إقليمي وشراكة إقليمية، وإلا بعد صنع الاتفاقيات والآليات التي وقعتها الدول العربية موضع التنفيذ، حيث لا يمكن لدولة عربية واحدة أن تضمن أمنها السياسي ولا الاقتصادي ولا الاجتماعي اعتماداً على قوتها الذاتية الصغيرة.

والدعوة للوحدة العربية لا تنطلق من عنصرية عرقية »شوفينية« بقدر ما تستجيب لوحدة ثقافية عربية، ولضرورات أمن قومي عربي، ولمتطلبات تنمية عربية شاملة.

توحيدنا لله يوحدنا، لغتنا العربية توحدنا، الآلام المشتركة توحدنا الآمال المشتركة توحدنا، شعوبنا تطلب الوحدة أن يكون لنا وجود حقيقي على خريطة القوى العالمية يدعونا إلى الوحدة.لا تندهشوا إذا قلت لكم ان الاتحاد العربي ممكن رغم كل ظواهر الخلاف الخادعة، فهو الممكن الوحيد لأمتنا كي تعبر ما هي فيه إلى ما تتطلع إليه.

ولا تتعجبوا إذا قلت إن العرب أكثر وحدة من كل المتحدين ويكفي أن الجامعة العربية لها لغة واحدة، بينما الاتحاد الأوروبي في اجتماعاته يتحدث بعشرين لغة!إن اللغة العربية الواحدة التي نزل بها القرآن الكريم على نبي الإسلام محمد عليه الصلاة والسلام قبل أكثر من 1400 عام.

هي اللغة التي اختارها الله لرسالة التوحيد إلى العالمين، لجديرة وهي وعاء الثقافة العربية أن تكون وسيلتهم إلى توحيد الله في السماء لتوحيد العرب والمسلمين على الأرض ليس لغرض الهيمنة على الأخرى، وإنما لنشر الحق والعدل والسلام لكل بني الإنسان.

ولتكون رسالة رحمة ليس للعرب أو المسلمين فقط.. وإنما للعالمين.وبينما يدفع الاتحاد الأوروربي مليار دولار سنوياً تكلفة لترجمة إجتماعاته ومعاهداته من خلال 1600 مترجم، لا تدفع الجامعة العربية درهماً واحداً.

ولا تحتاج مترجماً واحداً..ومع ذلك هم يتحركون نحو الوحدة ونحن نتخذها مادة للعبث.. هم ينفذون إتفاقاتهم ومعاهداتهم، ونحن نتلكأ، ونتهرب من إقامة الكيان العربي الواحد.

هم يبنون قوتهم ويتقدمون بوحدتهم إلى الأمام، ونحن نهدم ما بقى لنا من قوة ونتراجع بالإصرار على استمرار التجزئة إلى الخلف.. هم يهاجمون ونحن نكتفي بموقف الدفاع، والعجيب حقاً هي تلك المفارقة الكبرى التي نشهدها في الحاضر وليس في الماضي، وفي الواقع وليس في خيال الرومانسيين..

كيان أوروبي كان مجزأ يتوحد بعشرين لغة، وكيان عربي كان موحداً يتجزأ بلغة واحدة.. فهل هذا معقول ؟‍‍‍! الفارق أننا نكتفي بالكلام وهم يكتفون بالعمل.صيغة العصر.. وضرورات الحاضر ومتطلبات المستقبل تلقي القفاز في وجوهنا تحدياً.. فهل يستجيب العرب؟!

كاتب مصري