عشية صدور تقرير المحقق الدولي ديتليف ميليس الخاص بعمل اللجنة الدولية العاملة على كشف »حقيقة« اغتيال رئيس الحكومة اللبنانية الأسبق رفيق الحريري كان الترقب هو سيد الموقف، الترقب المرفق بقلق.

وكان يقال، في لبنان وخارجه، إن المعيار الرئيسي لتقويم الوطأة السياسية للتقرير هو قدرته على تأمين انطلاقة مقنعة لحملة مطالبة رئيس الجمهورية اميل لحود بالاستقالة.

صدر التقرير. مضت أيام على صدوره، ومع ذلك يبدو واضحا ان هذه الحملة تراوح مكانها وتعجز عن الإقلاع، صحيح ان سياسيين لبنانيين يدعون الرئيس إلى »المبادرة« من تلقاء نفسه لترك الحكم ولكن هذه التصريحات لا تزال بعيدة جدا عن ان تشكل الحملة المتوقعة. ثمة عقبات عديدة تحول دون تحول أمنيات البعض إلى حقيقة، هذه بعضها:

اولا- الرئيس مصر على البقاء حتى آخر ثانية في ولايته، انه يكرر ذلك يوميا مطمئنا إلى انه لا سبيل دستوريا إلى إقالته، وعندما يتم التطرق إلى هذه الناحية يصر المشرعون وخبراء القانون الدستوري على انه لا مجال، في الظروف الحالية، لاستخدام الدستور ضد الرئيس او لحشد أكثرية نيابية تتجاوز الثلثين لتوجيه اتهامات إليه ترغمه على المغادرة.

ثانيا - اذا كان تقرير ميليس اشتبه في عدد من كبار الضباط المقربين من لحود والذين شكلوا فريقه الأمني، وإذا كان اسم الرئيس ورد مرة أو أكثر في التقرير، وإذا كان احد المتصلين به قبل دقائق من انفجار 14 فبراير موجودا في السجن، فان التقرير لم يوجه أي تهمة صريحة إلى لحود.

اكثر من ذلك، لقد بادر ميليس في مؤتمر صحافي عقده في مقر الأمم المتحدة في نيويورك إلى التصريح بان »لحود ليس مشتبها فيه«، ولقد كان مطلوبا اقل من ذلك من اجل عرقلة دعوة الاستقالة وإظهار افتقادها إلى أساس ذي صلة بدور ما للرئيس في الجريمة.

ان من يستنتج سياسيا، مسؤولية لحود يجد من يرد عليه قضائيا بعدم جواز ذلك، ثم إن قرينة البراءة الممنوحة للضباط المعتقلين وغيرهم تقدم سندا قويا للمطالبة بانتظار أي حكم تصدره محكمة ستشكل لهذا الغرض سواء كانت لبنانية أو دولية أو مختلطة.

ثالثا - التطورات السياسية التي عرفها لبنان في الأشهر الأخيرة قادت إلى جعل مصير الرئيس الأول رهنا بقرار طائفته. فلقد أسفرت الانتخابات النيابية (كما الاستفتاء العراقي) عن إيضاح »التصلب« الطوائفي الذي يعيشه لبنان.

وكان، بعد ذلك، أن فرضت »الثنائية الشيعية« نبيه بري رئيسا لمجلس النواب،وان اختار »تيار المستقبل« فؤاد السنيورة رئيسا للحكومة، وان فرض وليد جنبلاط أسماء كبار الموظفين الدروز.

والتتمة المنطقية لذلك، حسب العرف السائد ان تكون للمسيحيين الكلمة الأولى إن لم نكن الأخيرة في تقرير مصير رئاسة الجمهورية.لقد اقر »تيار المستقبل« والحزب التقدمي الاشتراكي بأرجحية الرأي المسيحي في اختيار الرئيس، إلا ان هذا الرأي ثابت حتى الان عند الإبقاء على الرئيس الحالي.

وليس ذلك محبة به او تقديرا لدوره وإنما لان التوازن السياسي ضمن البيئة المسيحية يفرض حاليا هذه الوجهة. لقد أثبتت الانتخابات الأخيرة ان التيار الوطني الحر بزعامة ميشال عون هو القوة المركزية بين المسيحيين ، و»الجنرال« يعتبر أن من حقه البديهي الترشّح للرئاسة .

وإلا فانه يعارض إسقاط لحود قبل استكمال الولاية. لكن المشكلة هنا أن عون لا يملك الأكثرية النيابية التي يمكنها انتخابه، لا بل أنه داخل في اشتباك سياسي مع طرف أساسي في هذه الأكثرية هو وليد جنبلاط.

وإذا كان سعد الحريري يحاول الإبقاء على قنوات مفتوحة مع عون فمن الواضح أنه لا يفضله رئيسا. أما »القوات اللبنانية« فاقترحت، بلسان قائدها العائد إلى لبنان سمير جعجع، انعقاد اجتماع في إشراف البطريرك الماروني نصر الله صفير للبحث في الموضوع وهو الأمر الذي رفضه عون.

أضف إلى ذلك، أن بيروت تشهد تضخما ملحوظا في عدد المرشحين إلى الرئاسة الأمر الذي يحول دون نشوء جبهة مسيحية توازن »التيار«.الحصيلة ان عون يملك »حق النقض« وهو حق لا يمكن كسره، وبصعوبة إلا في حال نشوء توافق لبناني عام ليس واردا في المدى المنظور.

رابعا- إن نقطة الضعف في هذا التوازن هي موقف »الثنائية الشيعية«، وموقف »حزب الله« تحديدا. فالمعروف ان الحزب ارتاح إلى تجربته في المقاومة مع الرئيس لحود والمعروف أكثر ان الحزب يطمئن إلى لحود في خوض المواجهات اللاحقة الخاصة بتطبيق القرار 1559.

ولكن الأهم من ذلك هو ان أمين عام الحزب حسن نصر الله يبدي قلقا من سياسات حكومية معينة توحي بوجود رغبة في التحلل من التزامات كانت عناوين النهج اللبناني في مرحلة سابقة، ويقود ضعف الاطمئنان هذا إلى عدم الرغبة في تغيير ما هو معروف للدخول في مغامرات غير محسوبة.

خامسا - جاء تقرير المبعوث الدولي تيري رود لارسن الخاص بتطبيق القرار 1559 ليكشف عن وجود تمايزات في الوضع اللبناني لا يكشفها تماما »الإجماع« حول القرار، ومن شأن هذه التمايزات ان تقلل الحظوظ في التوصل إلى توافقات حول الرئيس الجديد وبرنامجه. وبقدر ما تقل هذه الحظوظ يزداد »حظ« لحود في البقاء.

معركة الرئاسة لم تندلع كما كان متوقعا لها، لكن ذلك لا يعني أنها لن تندلع، فيمكن لتطور معين في التحقيق الدولي أن يلهبها، كما يمكن ان يفعل ذلك إدراك متنام بأن مصلحة لبنان ومسيحييه تقتضي الخروج من وضعية يكون فيها رئيس الجمهورية محاصرا دوليا وعربيا إلى هذا الحد.

كاتب لبناني