موقفان يطلان على نفسي وعقلي دوما من ثقب الذاكرة، كلما مر بخاطري وجه الشيخ زايد ـ رحمة الله عليه ـــ بألفته وملامحه العربية الأصيلة.
الأول هو تصميمه أثناء قمة لقادة مجلس التعاون عام 1993 على المصالحة مع العراق، وهي فكرة كانت بمثابة »ثورة« في العلاقات العربية آنذاك، والثاني هو استدعاؤه للحكم الإماراتي الشهير على بوجسيم، حين رشح للمشاركة في تحكيم مباريات كأس العالم لكرة القدم.
رغم تباعد الموقفين، من الناحية النظرية، فإن زايد طابق بينهما عمليا، وجعلنا نفهم أنهما نابعان من منهل واحد، يستند إلى التقاليد العربية ـــ الإسلامية السليمة، التي تربى عليها زايد منذ نعومة أظفاره.
فهذه التقاليد تجعل الصراع ضد شركاء التاريخ واللغة والدم والمصير عبثا، وتقضي بألا يحكم المسلم بين الناس بغير الحق، وأن يكون قدوة لهم، لا عبئا عليهم، حتى ولو في اللعب. ومن هنا دعا زايد إلى عدم هجر العراق إلى الأبد.
وطلب من بوجسيم أن يقدم صورة ناصعة للعربي المسلم في محفل دولي كبير، يتابعه مليارات البشر، وتٌبنى من خلاله انطباعات عديدة عن ثقافة الشعوب وسلوكياتها. وبالطبع فهذان مثلان عابران في تاريخ الشيخ زايد الحافل بالمواقف النبيلة، التي لا تنسى.
إن تاريخ الأمم يحتشد بآلاف الحكام، لكن قلة منهم تظل محفورة في الذاكرة، وراسخة في الوجدان، لا ينال منها تتابع السنين. ومن هؤلاء الشيخ زايد الذي ترك للعرب مواقفه المشرفة وبساطته الآسرة، وأعماله المؤثرة، وأياديه البيضاء على كثيرين، في كل مكان.
إن زايد كان في حياته الحاكم العربي الوحيد، الذي مدحه كثيرون، ممن لم يشتبه يوما في ارتكابهم جريمة النفاق الرخيص لأي حاكم كان، وما وجد مادحوه غضاضة في أن يقولوا في الرجل كل حميد ونفيس.
وكل غال وثمين. فالشيخ زايد لم يكن، على عفويته وفطرته الحاضرة ، بحاجة إلى كلام معسول من هذا وذاك، وكان يكفيه دوما حب شعبه ، واحترام الناس له، في كل مكان، وتقديرهم لدوره الكبير في تاريخ بلده. كما كان يكفي كثير من مادحيه أنهم لا يريدون أبدا جزاء ولا شكورا، إنما يشهدون بالحق، وينطقون بالصدق.
ويضربون مثلا كي يتعظ حكام آخرون، ويحذوا حذو زايد، في فعل الخير، وكسب ود الناس وامتنانهم، والغيرة على كرامة العرب، والعمل على لم شملهم، ووأد فرقتهم، ودفعهم دفعا إلى استعادة جذوتهم التي خبت.
إن كل ذي عين بصيرة وقلب واع، حل على أرض الأمارات أو سمع وقرأ عنها، يدرك عن قرب حب الناس لزايد، الإماراتيون والعرب والأجانب الوافدون إلى الإمارات من مشارق الأرض ومغاربها، ويلمس أنه كان ولا يزال هناك إجماع على الرجل، اطمئنان إلى وجوده، وثقة في أن ما زرعه سيحتفظ بنضارته وحيويته على الدوام.
وأن ما غرسه في نفوس الجميع سيحفظ »اتحاد الإمارات« من أي سوء، وأن القيم العربية الأصيلة التي كان زايد يعض عليها بالنواجذ، ويبشر بها، ستظل حية، ما حيا الوفاء له، وما استمر العمل من أجل تحقيق الأهداف والغايات البعيدة التي كرس لها حياته المديدة.
لقد كان زايد حريصا دوما على أن يقلب أمام شباب الإمارات صفحات ماضيهم، فلا تنخلع جذورهم أمام موجات التحديث التي تجتاح بلادهم، والتي فتح زايد نفسه لها الباب، ومهد أمامها الطريق.
ولذا سرد على مسامع هؤلاء الشباب الكثير من تجارب الأيام التي خلت، وأمر أن يعرض »المجمع الثقافي« في أبو ظبي، صورة للبلاد قبل النفط، والتي جعلتنا ندرك حجم التغيير الذي طرأ عليها، حين أحسن الشيخ زايد وأخوانه حكام الإمارات، استغلال أغلب هذه الثروة في بناء بلدهم الوليد.
مدير مركز بحوث ودراسات الشرق الأوسط ـــ القاهرة