يبدو ان غزو العراق تحول الى لعنة، تشبه الى حد كبير »لعنة الفراعنة« التى اختلطت فيها الأسطورة بالواقع والحقيقة بالخيال، ويوما بعد يوم تزداد تلك اللعنة قوة وتأثيراً بالغين.
وتكبر مثل كرة الثلج التى تتدحرج من اعلى جبل، وعندما تحل بأحد ممن اشتركوا فيها، سواء بالتخطيط او التنفيذ، يصبح من الصعب عليه التخلص منها، لأنها لن تغادره بهدوء، بل ستترك بصمات وندوباً يستحيل ازالتها من دون ألم شديد.
فبعد عامين على الاحتلال، سقطت أوراق كثيرة، وبدأ المستور يخرج الى العلن، ليتضح حجم الخديعة الكبرى التى مورست على العالم، لتبرير هذه الحرب، التي أدت الى مقتل 26 الف عراقى واكثر من الفى جندى اميركى ــ وفق التقديرات الاميركية – والتى يرى البعض انها اقل بكثير من الارقام الحقيقية.
احدث الاوراق التى سقطت، وسحقتها لعنة الغزو هو لويس ليبي مدير مكتب نائب الرئيس الاميركي ديك تشيني الذى استقال من منصبه اثر اتهامه باعاقة مجرى العدالة .
والحنث باليمين ،على خلفية قضية تسريب اسم عميلة الاستخبارات فاليري بليم الى الصحافة، انتقاما من زوجها جوزف ويلسون السفير الأميركي السابق، والذي كشف »كذبة« روجتها الإدارة الحالية عن علاقة النظام العراقى السابق بعملية استيراد يورانيوم من النيجر.
ويعتبر ليبي من العناصر الفاعلة داخل البيت الأبيض منذ فترة طويلة، وارتبط – كما تقول التقارير الصحافية - بعلاقات وثيقة بالعديد من صقور الادارة الأميركية الذين كانوا وراء غزوالعراق .
كما ورد اسمه في العديد من الأمور المتعلقة بالمعلومات الاستخباراتية غير الدقيقة التي أدت لاعلان الحرب على العراق، مثل خطاب وزير الخارجية الأميركي السابق كولن باول في الأمم المتحدة حول أسلحة الدمار الشامل في العراق والذي اعتبره باول نفسه.
فيما بعد مشينا، هذا بالإضافة إلى دوره في العقود التي حصلت عليها شركة هاليبورتون التى كان تشينى يرأسها سابقا.لاشك انه سيكون مفيدا، سقوط هذه الورقة وغيرها من الاوراق التى اشعلت الحرب على العراق وحولت حياته الى جحيم ونهاره الى ليل مظلم غير واضح المعالم.
أولا كعقاب لها على تلك »الخديعة« التي أجرت انهاراً من الدم، وثانيا لعدم تكرار هذا السيناريو المخيف مع اخرين سواء فى المنطقة العربية، أو في أي بقعة من العالم.
كذلك من فوائد هذا السقوط، هو فتح الباب لاعترافات ومراجعات مع النفس، كان من الصعب تصورحدوثها فيما مضى، لعل أبرزها ما صرح به الرئيس الاميركى الاسبق جيمى كارتر، عندما قال ان »الإدارة الحالية تسببت في انحطاط المعايير الاخلاقية التي ميزت السياسة الاميركية الخارجية على مدى عقود«.
مشيرا الى ان »المزاعم بأن صدام حسين كان ضالعا في هجمات 11 سبتمبر وبانه كان يمتلك اعداداهائلة من اسلحة الدمارالشامل التي يمكن ان تهدد بلادنا ،كانت تهدف الى تضليل الشعب الاميركي ودفعه الى الحرب«.
ليس كارتر فقط الذى اصابته نوبة اعترافات، بل أيضاً سيلفيو برلسكوني رئيس الوزراء الايطالي والحليف المقرب من جورج بوش، حيث قال إنه »حاول مرارا إقناع بوش بالعدول عن فكرة غزو العراق«. وأضاف أنه غير مقتنع بأن »الحرب هي الطريقة الامثل لجعل دولة ما ديمقراطية أو للإطاحة بحاكم مستبد«.
حسنا يا سيد برلسكوني، اعترافك جميل وفى محله، لكنه واعتراف كارتر، جاءا متأخرين جدا وفى منتصف ليل العراق، وبعد ان أصبح الدم ارخص شئ يمكن ان تراه فى الشوارع، وبعد ان تحولت الانقسامات العرقية والمذهبية الى نار يمكن ان تنهش جسد الدولة فى أي وقت ومن دون سابق انذار.
اننا لا نريد فقط يا سيد برلسكوني، اعترافات ومراجعات مع النفس، بل ما هو اكثر من ذلك، إننا نريد تغييرا فى نهج التعامل مع الدول العربية، واحتراما لسيادتها.
وعدم التلويح باستخدام القوة العسكرية ضدها، لإجبارها على تبنى مواقف وسياسات وانماط ثقافية وسلوكية، تجعلها أضحوكة بين الأمم .. اننا نريد العدالة والعيش بامان والحق فى مقاومة المحتل .. اننا نريد فقط ان تعاملونا كبشر.