انزعج المحررون والصحافيون العاملون في الأقسام الرياضية المحلية يوم السبت الماضي عندما وجهت صحيفتا »البيان« و»الإمارات اليوم« تحذيراً إلى بعض الأندية الرياضية والدوائر الحكومية والشركات والهيئات والمؤسسات الخاصة بعدم تقديم أية هدايا أو هبات مادية أو عينية لبعض الصحافيين وخصت الصحيفتان بالذكر الصحافيين في الأقسام الرياضية.

وسبب انزعاج الصحافيين في هذه الأقسام ليس إيقاف الهدايا والهبات التي وصفتها »الإمارات اليوم« بأن ظاهرها التكريم وباطنها الرشوة, بل لأن التحذير يضع جميع الصحافيين الرياضيين في خانة الاتهام ويطعن في نزاهتهم.

فهم يرون بأن ارتكاب البعض من الصحافيين في أقسام الرياضة لمثل هذه السلوكيات المنبوذة لا ينبغي أن يشوه معه جميع من في هذه الأقسام, هذا إضافة إلى قولهم بأن هذه الظاهرة ان وجدت في عالم الصحافة فلا يقتصر.

وجودها على قسم تحرير دون الآخر فقد يمارسها الصحافي أينما كان وفي أي قسم وفي أي مؤسسة إعلامية سواء في المجلات أو الصحف أو الإذاعة أو التلفزيون.

قضية الأخلاق من القضايا الحساسة جدا في عالم الصحافة لأن الالتزام بها يضع الصحف والعاملين فيها في مكانة مرموقة تتفوق فيه على غيرها من المهن ويعطي للصحف موثوقية منقطعة النظير. ولكن رغم هذه الأهمية الا ان العديد من الصحف نادرا ما تتعامل مع قضية الأخلاقيات الصحافية بحدة .

ووضوح وجدية، بدليل أنه لا يتم الالتفات إلى (الأخلاق) إلا في حالة وقوع فضيحة إعلامية سببها خرق هذه الأخلاقيات وبدليل آخر وهو عدم وجود إرشادات واضحة من قبل إدارات معظم الصحف للصحافيين حول ماهية الأخلاق الصحافية وما هو مسموح منها وما هو ممنوع الاختراق.

معظم الصحافيين يخلطون المفاهيم مع بعضها البعض ولا يعلمون على وجه الدقة ما هو مقبول وما هو مرفوض, لا يعلمون أحيانا ان كان الوضع الذي هم بصدده كصحافيين يتطلب موقفاً شخصياً أم موقفاً مهنياً. وهناك فرق, فأي علاقة بين الصحافي ومصدر أخباره ينبغي أن تكون محكومة بأخلاقيات المهنة مهما تطورت هذه العلاقة وأصبحت حميمة أو عميقة.

ويختلف الصحافيون في قراراتهم إزاء المواقف التي تمس أمانتهم الصحافية، فالبعض يكونون صارمين لدرجة أنهم يرفضون اية هدية بل ويختارون الابتعاد بشكل مطلق عن كل الأنشطة والعلاقات التي قد تشكل بالنسبة لأمانتهم مخاطرة كبرى، مقتنعين ومؤمنين بأن هذا هو الثمن الذي يدفعونه لكونهم رجال صحافة.

آخرون يجدون عدم مشاركة الصحافي وعدم إقامته لعلاقات مع الآخرين مفهوما غير واقعي ومرفوض لأنهم يعتبرون العلاقات مع الآخرين نوعا من المسؤولية والمشاركة وفن الوصول إلى الخبر.

وهناك صنف آخر نادر من الصحافيين يواجه نفسه بالبحث عن إجابة صادقة وأمينه قبل شروعه في قبول أي عرض من أي جهة باحثا عن السبب الحقيقي وراء قراره ونية الآخر ويتخذ قراره بناءً على الإجابة الحقيقية والمباشرة لقبوله أي عرض أو طلب من المصدر.

ويحكي لنا التاريخ مواثيق لصحف أميركية اتخذت مواقف صارمة فيما يتعلق مباشرة بالهدايا المجانية. إحدى الصحف الصادرة في كاليفورنيا وضعت العبارة التالية كنموذج لأخلاقياتها »إننا ندفع مقابلاً لأي خدمة تقدم لنا.

وإذا كان الأمر يستحق من الناحية الإخبارية فإننا نستطيع تحمل التكاليف, وإذا لم يكن, فإننا نستطيع الاستغناء عنه«. صحيفة أخرى تصدر في فلوريدا قالت: »يجب على أي موظف لدينا أن لا يقبل رحلة مجانية, أو بأسعار مخفضة.

أو رحلة مدعومة الأجر, والاستثناء الوحيد هو عندما يكون السفر لتغطية حدث بسعر مخفض«. صحيفة أخرى وضعت العبارة التالية »: نعتقد انه من المنطقي إذا ما تلقى الصحافي دعوة من شخص لتناول الغداء أو العشاء أن يقول شيئا مثل: نعم.

. يسرني أن ألقاك, ولكن أود أن أقول لك مقدما إن سياسة صحيفتنا تقضي بأن أدفع لك ثمن وجبتي«. أما صحيفة »نيويورك تايمز« فيقال إن لها مبدأ معلقا على جدار الردهة تقول فيه: »يجب أن تكون الأخبار غير منحازة.. بلا خوف ولا مجاملة.. وبغض النظر عن أي حزب.. أو أية طائفة أو مصلحة تتعلق بالخبر«.

ان احترام المصدر للصحافي يقوم أساسا على ما يلمسه المصدر من أخلاقيات لدى الصحافي وغالبا ما يقوم المصدر بعمل اختبار للصحافي من البداية كأن يلمح له بهدية أو خدمة بسيطة تكبر بعدها إلى خدمات أكبر وعندها يشعر المصدر بأنه اشترى الصحافي ووضعه في جيبه لأنه يصبح بعدها »عبد المأمور«.

هناك قوانين وأنظمة تحكم غرف الأخبار والعاملين فيها إلا أنها في بعض الصحف هي قوانين رمادية وتقع على إدارات الصحف مسؤولية توضيح وتأكيد هذه القوانين بحيث أن لا تترك مسؤولية اكتشافها أو التخمين بها للصحافيين أنفسهم والذين يلجأون أحياناً لزملاء لهم في المهنة أو من تجاربهم الشخصية التي يتعرضون لها لينتهوا بصياغة يعتقدون بأنها هي المفروضة أو المقبولة.

حتى في حالة اختراق أخلاقيات الصحافة من قبل بعض الصحافيين, يندر أن تقوم الإدارات باتخاذ إجراءات تأديبية تعزز بها أهمية الالتزام بهذه الأخلاقيات.

ففي دراسة جرت في الفترة مابين ديسمبر 1999 إلى يناير من عام 2000 حول الأخلاقيات الصحافية وضمت 20 صحيفة في 11 ولاية أميركية, تبين أن صحيفتين فقط من مجموع الصحف المشاركة في استبيان الدراسة قامتا بفصل صحافيين اثنين فقط خلال 5 سنوات لأسباب تعود للأخلاقيات الصحافية.

ومن وجهة نظر المشاركين في الدراسة فان هذا أكبر دليل على غض الطرف عن سلوكيات الصحافيين السيئة وقبول الإدارات لتجاوزاتهم المهينة التي قالوا بأن اختراقها يتكرر بشكل كبير.

وذهب المشاركون في الدراسة في اتهاماتهم إلى أبعد من ذلك عندما أدانوا القائمين على وسائل الإعلام بأنهم هم أكبر المخترقين لأخلاقيات الصحف عندما جعلوا الحاجز بين الصحافة والإعلان يختفي وعندما طمسوا الدور الحقيقي للصحافة مقابل القبول بتسيد الإعلان وسيطرة المعلن.

واتهموا الناشرين ورؤساء تحرير بعض الصحف بأنهم هم من يقومون بإرضاء المعلن على حساب القارئ وهم من يسمح للمعلن وللربح المادي بأن يقود الرسالة الإعلامية وليست حاجة القارئ أو رغبته.

مديرة إدارة التطوير والجودة "البيان"

Heyamm@albayan.ae