الأنباء التي تحدثت عن وصول وفد الجامعة العربية قريباً الى بغداد من اجل التحضير لعقد مؤتمر للوفاق الوطني بين الفئات المختلفة في العراق تبعث على الاعتقاد بجدية المبادرة التي يقوم بها السيد عمرو موسى امين عام الجامعة وتدل على ان التفاؤل الذي اظهره اثر محادثاته الاخيرة مع التيارات السياسية العراقية له ما يبرره.

قد لا تكون الطريق ممهدة امام الجامعة العربية رغم النوايا الحسنة التي ابدتها معظم الاطراف على الساحة العراقية، ولكن مد قنوات التواصل بين العراقيين والمجتمع القومي من خلال الجامعة التي لا تزال تمثل المشروعية القومية هو بداية مناسبة في هذه المرحلة المعقدة التي تختلط فيها امور كثيرة بعضها داخلي وبعضها الآخر اقليمي دولي.

نقطة الارتكاز الاساسية التي يمكن ان تقود الجميع نحو مؤتمر للوفاق الوطني هي الوطنية العراقية، اي ان يكون الانتماء للعراق في المرتبة الاولى في سلم الانتماءات التي يمكن القبول بها في بلد مثل العراق تكون نسيجه الاجتماعي عبر الازمنة من قوميات وديانات ومذاهب متعددة، ومع ان ذلك النسيج صامد امام محاولات التفكيك حتى الآن الا انه يواجه الاختبار ذاته الذي تواجهه المنطقة كلها في ضوء مشاريع اعادة التشكيل القادمة من الخارج.

كدليل على ذلك يكفي ان ننظر حول العراق لنرى نزعات الانفصال والتحلل من الارتباط الوطني تحت ادعاءات مختلفة تظهر في كل مكان تقريباً، حتى أننا سمعنا بالامس عن اضطرابات في ما يعرف بمنطقة الاهواز العربية في ايران في وقت كانت الفكرة السائدة هي الربط بين شيعة العراق وشيعة ايران، واذا اضفنا الى ذلك ما يظهر في الافق من اضطرابات اخرى في محيط تركيا وسوريا ولبنان فسيكون المشهد غاية في التعقيد خاصة وان الانتماءات في العراق تقسم على معادلات المنطقة جميعها.

الأسوأ من ذلك كله هو الوضع الأمني من ناحية والعلاقات المتوترة بين الولايات المتحدة الامريكية صاحبة القوة العسكرية الاقوى المقيمة في المنطقة من ناحية اخرى، واذا كان من السابق لأوانه تقييم العمليات المشتركة بين القوات العراقية والامريكية الدائرة حالياً على الحدود مع سوريا الا في نطاق التدابير »الرادعة« ضد قوى المقاومة على اختلاف اشكالها واهدافها فإن تعميق العداء الامريكي الايراني السوري يعني ترسيخ الحضور العسكري الامريكي في العراق ومنطقة الخليج واتساع دائرة التساؤلات والتكهنات حول مستقبل المنطقة كلها.

في الواقع يوجد قدر من الامل بإمكانية نشوء رد فعل سياسي داخلي في العراق قادر على قراءة الواقع الاقليمي بطريقة تؤدي الى جعل المحافظة على الخريطة الجيوسياسية للعراق هدفاً اسمى للجميع لأن مراهنة عراقيين على خارج الحدود ومراهنة الجوار على عراقيين داخل الحدود سيجعل من هؤلاء جميعاً مجرد ورق في لعبة خاسرة.

الكلام عن الوفاق الوطني العراقي لا يمكن ان يكون موقفاً عاطفياً يقوم على تطييب الخواطر ومعسول الكلام، إنه فرصة ذهبية للعراقيين كي يتخلصوا من الاخطاء وبعض مظاهر التمييز الخادع الذي ابتليت به الفئات ذات الثقل السياسي الكبير في غياب النظرة الموضوعية للحاضر والمستقبل، وحتى وان كانت الجامعة العربية على ما هي عليه من ضعف فإنها في وضع يمكنها من تقديم المساعدة للعراقيين اذا استطاعوا انتهاز فرصة حضورها حيث من الممكن ان تمنحهم هي مشروعية الحوار ويمنحونها هم الدور الذي سلب منها زمناً طويلاً.