ظهيرة يوم العيد أمسكت سكين فواكه ووقفت كاسف البال إزاء المرآة وأخذت أقصّ أو أقطّع مقدمة شعر رأسي لأضرب عصفورين بمقص واحد: أضع حدّاً لمواعظ أخي الكبير ولعلّ أحدهم يتأثر بالذي يجري فيقف في صفي.

فأخي هذا وبرغم أنه يكبرني بأربعة عشر خريفاً إلا أنه كان أكثرهم قرباً مني وذلك قبل أن أبلغ الحلم، لكن كلما كنت ازداد خبرة في عالم المراهقة كان يزداد هو ضراوة في النيل مني لفظياً ونفسياً ومعنوياً.

هو من ناحية يعظني والوالدة من ناحية أخرى تعضّني، ولم تختر الوالدة العضّ أسلوباً بمزاجها، بل لأنها كانت متأثرة بكلام التربويين الذين كانوا ينصحون الأمهات بأن يعِظوا أولادهم أي يقدّموا لهم الموعظة بدل ضربهم، لكنها كانت تظن أنهم يقولون عضُّوا أولادكم أي ضعوا لحومهم بين أسنانكم.

طيلة سنوات المراهقة والاثنان يحكمان الحصار عليّ حتى بتّ متيقناً أنهم عثروا عليّ رضيعاً بالقرب من برميل القاذورات، لكن الحقيقة أنني كنت ارتكب الحماقات، فتغضب مني الوالدة، فيأتي دور أخي مفسّراً، فمثلاً أتأخر عن الحضور ليلاً، فيشرح السبب قائلاً: إنني كنت مع أولاد صعاليك لم ينالوا حظاً من التربية وأنني لا محالة سأنتهي في دار رعاية الأحداث مجرماً ناشئاً.

أما قصة الشعر، فقد كنت في تلك السن أضع أعشاباً برية في مقدمة رأسي معتقداً أنها شعر، ولذلك كنت أتحاشى الاقتراب من آكلات العشب، وفعلاً كانت شعراً لكن على هيئة أعشاب أو أسنمة بخت مائلة كما في الحديث.

وكنت أعذر رأسي، لأن الأعشاب كانت موضة ذلك الزمان، لكن أخي كان يحاربها ليل نهار، كأنها نابتة في أرضه وليس على رأسي، فتارةً يقول أن الرجال لا يصنعون هكذا، وتارة يقول لو حدثت مشكلة في الشارع وحضرت الشرطة فإنها ستبدأ في القبض على أصحاب الأعشاب لأن أشكالهم توحي بأنهم أوباش.

بالطبع كانت معارضة هذا الأمر علناً كبيرة من الكبائر، لذلك كنت ألجأ إلى البقية محاولاً استدرار عطفهم قائلاً أن الذي يحدث سببه الحسد، فأخاكم الكبير بدأ الصلع يضرب في رأسه ومن الطبيعي والمنطقي أن يغار من رأسي المعشوشب.

المهم أنني كسبت قضية العيد بعد أن قطّعت شعر رأسي بالسكين أمام الملأ، وبين ليلة وضحاها استبدلت العشب بقبعة بيضاء، لكن هيهات، فهو لم يستسغها خاصة لأنها كانت موضوعة على رأسي بشكل مائل. استبدلت القبعة بعصامة »عصابة«، ولم يتغيّر موقفه.

اكتشفت مع الأيام أن المشكلة لم تكن في الشيء الذي على رأسي بل في طريقة حياتي وتصرفاتي وما ذلك الشيء سوى قمة جبل الجليد الذي كان شقيقي يعلم أن قاعدته أسوأ بكثير، فكانت القمة وحدها تكفي ليعظني ثم يسلّمني للوالدة لتعضّني، وكانت عظاتهم وعضّاتهم برداً وسلاماً ولذلك نجوت.