الأمر الطبيعي في التطور التاريخي للشعوب ان عوامل النهضة أو التخلف في الأساس داخلية، والعوامل الخارجية وتأثيرها ثانوية بيد ان الحالة العربية مختلفة حيث ان العوامل الخارجية كانت ولا تزال وراء التقدم في بعض مناحي الحياة في العالم العربي وبخاصة في التاريخ الحديث والمعاصر وهذه ظاهرة تاريخية تحتاج إلى تأملها وتفسيرها.

في حالة شعوب أخرى في العالم قد تولد الصدمات الخارجية رد فعل داخلي أو حافزاً للتغيير والتطور كما حدث في اليابان مثلا أو غيرها. ان الذي شهده العالم العربي لم يقف عند حد رد الفعل بل احداث التغيير بفعل تأثير أو تدخل خارجي وهذا الأمر يستوجب استعراض بعض الوقائع التاريخية الدالة على ما ذهبنا اليه. وقبل ذلك لابد من التوضيح ان تاريخنا بحاجة إلى اعادة قراءة وليس اعادة كتابة بعيداً عن نظرية المؤامرة، وبدون حساسية وطنية او قومية. وقد آن الأوان لإعادة النظر في مفاهيمنا التقليدية.

ولنبدأ بالحملة الفرنسية على مصر في نهاية القرن الثامن عشر لقد قاد نابليون بونابرت حملة عسكرية لاحتلال مصر عام 1798م ضمن استراتيجية فرنسية حينها للسيطرة على مناطق ذات أهمية حيوية لمنافسة الاستعمار البريطاني في مناطق النفوذ لذا فقد أحدثت الحملة هزه ورد فعل قوياً من قبل السلطات البريطانية في الشرق فأسرعت إلى تعزيز نفوذها في منطقة الخليج العربي والمحيط الهندي حيث فهمت احتلال مصر خطوة باتجاه شرق السويس، المهم ماذا حملت الحملة الفرنسية إلى مصر على الرغم من انها لم تستمر أكثر من سنتين ونصف السنة، ان الوثائق التاريخية تؤكد انه لأول مرة تدخل الطباعة إلى مصر ومن خلالها للعالم العربي مع الحملة الفرنسية على مصر.

الأمر الآخر فقد بقيت اللغة الهيروغليفية الفرعونية لغزاً تاريخية لكن العلماء الآثاريين الفرنسيين فتحت الحملة الفرنسية أمامهم المجال لاكتشاف حجر رشيد وفك رموز اللغة الهيروغليفية فكان ذلك انتصاراً تاريخيا مهماً، أيضا حملت الحملة الفرنسية مشروع حفر قناة السويس لربط البحر الأحمر بالبحر المتوسط.

وقد تحقق ذلك في ستينات القرن التاسع عشر وكان ذلك ولا يزال تحولا تاريخيا مهما في طرق المواصلات، وفي التجارة الدولية، كذلك بعد انتهاء الحملة واستلام الوالي محمد علي الحكم في مصر وبدء التحديث في عهده كان هناك تأثير للدستور الفرنسي والقانون الفرنسي على أوضاع مصر في عهد هذا الحاكم، منذ ان قام الطهطاوي بترجمة الدستور الفرنسي إلى اللغة العربية.

وإذا انتقلنا إلى حالة أخرى حول تأثير الخارج أو أوروبا على العالم العربي يمكن التوقف عند ظاهرة الحزبية والانتخابات البرلمانية والليبرالية في العالم العربي في ظل الانتداب البريطاني والفرنسي على عدد من بلدان المشرق العربي منذ نهاية الحرب العالمية الأولى حتى نهاية الحرب العالمية الثانية، لقد كانت الأقطار العربية الرئيسية في المشرق.

وبخاصة سوريا والعراق ومصر تعج بالأحزاب السياسية والمظاهرات والحيوية والحركة للتعليم الحديث والنهضة والاستقلال وحرية المرأة، نعم كانت فترة استعمارية وقمعية لكنها كانت تحمل بذور النهضة والتقدم ورب ضارة نافعة هذا إذا نظرنا للأوضاع من الزاوية الأخرى وليس من زاوية واحدة، في كثير من الدراسات التاريخية توصف فترة ما بين الحربين العالميتين في مصر بأنها مرحلة الليبرالية الحزبية والحراك السياسي والاجتماعي لإحداث التقدم الاجتماعي والعلمي لمواجهة الأمية والفقر في هذا البلد العربي.

ثم لو انتقلنا إلى العقد الماضي والعقد الحالي فهناك حدثان مهمان في مسلسل تأثير الخارج على الداخل هما: تحرير الكويت بعد غزو النظام العراقي عام 1990م، والتدخل لإسقاط النظام الدكتاتوري في العراق عام 2003م.

نعرف مدى حساسية البعض من هذين الحدثين بيد ان الحقيقة هي ان احتلال الكويت كان عدوانا لابد من ازالته، ولم تكن أوضاع الداخل العربي قادرة على وقف وإزالة ذلك العدوان، فالأوضاع العربية منذ هزيمة العرب عام 1967م وهي تتردى وتضعف، وليس لديها المقدرة على فعل شيء ايجابي يعيد الأوضاع إلى ما كانت عليه، ووضع حد لاعتداء الشقيق على شقيقه قبل مواجهة الأشقاء لأعدائهم.

اما نظام الحكم السابق في العراق فقد تمادى في عنفه وتسلطه، ودخل في مغامرات وحروب داخلية وخارجية دمرت العراق، وبعد أكثر من ثلاثين سنة ليس من سبيل لوضع حد لمعاناة ذلك الشعب إلا بالتدخل الخارجي، المبدأ خطأ ان تتدخل دولة في شؤون دولة اخرى والاحتلال مرفوض، والعراق أولا وآخرا شأن عراقي لكن طعن النظام العراقي السابق للأعراف والعلاقات الدولية بالعدوان على الجيران إيران والكويت جعل الكثيرين من العرب يؤيدون خطوة كالتي حدثت لإسقاط ذلك النظام.

وفتح المجال أمام الشعب العراقي ليقرر مصيره ومن ثم التخلص من الاحتلال، وبناء العراق الديمقراطي، وأيضا رب ضارة نافعة. ونعرف ان البعض لا يعجبهم هذا الكلام ونحترم رأيهم، ولكن نعتقد ان الأيام ستثبت ان ما حصل كان لابد ان يحدث لإنقاذ الشعب العراقي مما كان يعانيه.

المشكلة ان الأميركيين أداروا الوضع بعد اسقاط النظام بصورة خاطئة، وكان في امكانهم ان يجنبوا العراق الكثير من المشكلات وقد كانت هناك اطراف ترى بالسياسة المتبعة في العراق بعد سقوط النظام السابق سبيلا لبقاء الاحتلال فترة أطول من جهة وربما التأثير باتجاه تقسيم العراق عرقيا وظائفياً، ولكن القوى المستنيرة في الشعب العراقي قادرة على ادراك مصلحة العراق، وابعاد تلك المخططات تجاه بلدهم في الحاضر والمستقبل.

ونأتي بعد ذلك إلى المرحلة الأخيرة من تأثير الخارج على الداخل العربي في موضوع الاصلاح السياسي، لقد طرحت مسألة الاصلاح السياسي في العالم العربي منذ زمن ولكنها أكثر إلحاحاً بعد أحداث سبتمبر في أميركا وانعكاساتها وتداعياتها. ان مسألة الاصلاح السياسي في الأنظمة التقليدية العربية هي اليوم بتأثير الخارج على الرغم من أنها رغبة شعبية محلية.

ولعل آخر حدث يؤكد مدى تأثير الخارج على الداخل هو التحقيق في اغتيال رئيس الوزراء اللبناني السابق رفيق الحريري عندما عهد إلى القاضي الألماني ميليس للتحقيق في الجريمة من قبل الأمم المتحدة.

فكم حالة اغتيال لمسؤولين ومفكرين حدثت في العالم العربي لم تكشف اسرارها ولا يعرف منفذوها دفنت وطمست حتى اضطررنا نحن العرب لمعرفة الحقيقة بضغط من الخارج بتحقيق دولي، ولو عهد بالمسألة للتحقيق في الجامعة العربية او الدول العربية المعنية بحادث الاغتيال لسجلت ضد مجهول ولدفنت القضية كغيرها من القضايا هذه بعض الأمثلة نذكرها على مدى تأثير الخارج على الداخل العربي، وسيبقى ذلك التأثير حتى يتحقق التقدم فيأخذ العرب المبادرة لمواجهة مشكلاتهم بأنفسهم وبذلك يمكن ان يكون لهم مشروع للنهضة قابل للتطبيق في ظل مناخ حر وديمقراطي وبشفافية وعدالة قانونية.

جامعة الكويت