كيف نقرأ استحضار الرئيس محمود أحمدي نجاد لإحدى أركان الخطاب العقائدي السياسي للإمام الخميني في »شطب إسرائيل من الخريطة« وهو خطاب بدأ البهتان والنسيان يصيب بعض جوانبه وعناصره، وهذه حالة طبيعة كلما استقرت الثورة في الدولة وكلما بدأ منطق الدولة يتقدم على حساب منطق الثورة، والحالة الإيرانية ليست فريدة كما تعلمنا دروس الثورات في التاريخ أيا كان العنوان العقائدي التغييري لهذه الثورات.

هل جاء الخطاب من وحي اللحظة، لحظة الاحتفال بيوم القدس، فتخطى بالطبع سقف مطالب أهل القدس وأهل فلسطين عامة رافعاً لشعار يجعل من مأساتهم الوطنية والإنسانية والقومية قضية مستمرة ومشتعلة، مصطدمة مع العالم، قضية ذات وظيفة تعبوية وسياسية صدامية ضمن البيت العربي والإسلامي مستفيدة من الانسداد القاتل في دبلوماسية التسوية والصراع العربي الإسرائيلي، الانسداد المسؤول عنه بشكل خاص سياسات إسرائيل وضعف العرب وغياب الاهتمام الدولي الفاعل.

هل كلمة الرئيس الإيراني رسالة موجهة أصلاً إلى الداخل أم هي موجهة إلى الخارج، جملة من الملاحظات يمكن إدراجها حول خطاب التراجع من إيران الدولة إلى إيران الثورة، إيران الدولة التي كانت قد سلمت للفلسطينيين بحقهم في القبول بالتسوية الشرعية التي يرفضونها في الصراع مع إسرائيل دون ان يعني ذلك اعترافاً علنياً أو رسمياً منها بإسرائيل.

أولاً أن هذا الموقف من أعلى مسؤول في السلطة المدنية يشكل صداماً كلياً مع العالم السياسي وكذلك مع منظومة قيم الشـرعية الدولية والثقافية والسياسية ويشكل انقطاعاً عن منظومة قيم الشرعية السياسية العربية والإسلامية ليس فقط الرسمية بل أيضاً الشعبية بشكل واسع جداً، المنظومة التي تبلورت بعد أكثر من نصف قرن من الصراع مع إسرائيل رغم مشاعر الغضب والإحباط والعجز أمام العجرفة الإسرائيلية، انه موقف يحاول إعادة تعريف الصراع كصراع بنيوي يقوم على إلغاء الآخر بدل ان يساهم في توفير الدعم لتسوية شرعية بالمنظور العربي والإسلامي لهذا الصراع وهو صدام لا يفيد إيران قطعاً ولا يفيد الفلسطينيين ولا العرب والمسلمين.

ثانياً يبدو ان هذا الموقف يندرج في محاولة من الرئيس الإيراني القيام بحملة تعبئة شعبية حول العناوين المتشددة التي أطلقتها الثورة، ككل ثورة في بداياتها، في الخارج ضد العدو وفي الداخل في ثورة ثقافية مضادة ضد ما يعتبره الرئيس تراجعاً في أخلاقيات وقيم ومبادىء الثورة لمصلحة ما يسميه الأمركة أو التغريب الثقافي.

والهدف من التشديد على النقاء الثوري والتعبئة الجماهيرية حوله تلافي مواجهة الاستحقاقات الداخلية التي جاء باسمها الرئيس الجديد إلى السلطة وهي محاربة الفساد ومعالجة المشاكل الاقتصادية المتفاقمة والبؤس المتزايد والحد من البطالة ومن التفاوت الاجتماعي، ولنتذكر ان أكثر الطبقات الاجتماعية فقراً وتهميشاً هي التي جاءت بالرئيس الإيراني الى السلطة ضد المؤسسة الدينية السياسية الحاكمة، لكونه من خارج هذه المؤسسة وحاملاً لوعد التغيير.

ثالثاً: وفر تصريح الرئيس الإيراني أفضل هدية، خاصة في توقيتها، لإسرائيل بشكل خاص ولخصوم إيران وأحدث إرباكاً وإحراجاً كبيراً لأصدقائها، وهي في خضم المواجهة المتصاعدة مع الولايات المتحدة أساساً ومع الدول الأوروبية، حول الملف النووي حيث تحاكم إيران على النوايا من منظور أعدائها وخصومها.

في حين ان موقفها أساساً يستند إلى وضع قانوني مريح من حيث انضمامها الى معاهدة الحد من انتشار الأسلحة النووية وحقها في الحصول على دورة كاملة لتخصيب اليورانيوم لأهداف مدنية تحت رقابة الوكالة الدولية للطاقة الذرية وحيث ان الخلاف يمكن ان يندرج في إطار بلورة وسائل مراقبة أكثر فعالية وبالتالي أكثر مصداقية وليس في إطار منع إيران من بلورة قدرة نووية مدنية كما تنادي واشنطن، التصريح الرئاسي الإيراني يقوي حجة المدرسة التي في طليعتها إسرائيل والتي تريد ان تحاكم النوايا الإيرانية.

رابعا: الوضع الاقتصادي الإيراني المتردي وحاجة إيران الى الاستثمار في قطاع النفط لتطوير منشآتها النفطية وزيادة قدراتها الإنتاجية وحاجتها أيضاً بشكل عام إلى جذب الاستثمارات والحصول على تكنولوجيا متطورة لتنمية قطاعاتها الإنتاجية وإلى إقامة علاقات تفاعل اقتصادي ناشطة وكثيفة مع العالم، كلها عناصر تفرض على إيران التراجع عن لغة هذا الخطاب ومزاجه والمناخ المحيط به والعودة بسرعة إلى اعتماد منطق الدولة، الذي لا يعني بالطبع التخلي عن هويتها العقائدية والثقافية.

المنطق الذي يستند إلى أوراق، موضوعية كثيرة وقوية، على حساب منطق الثورة بالمطلق الذي من أبرز إرهاصاته الخطاب الرئاسي الأخير والذي لا يخدم المجتمع الإيراني في حقه ورغبته بالتطور والتنمية والتقدم وتحقيق موقع قوة إقليمية رئيسية لإيران في آسيا، في العالم الإسلامي، وفي العالم النامي أو عالم الجنوب بشكل عام.

كاتب لبناني