اقترب الموعد وسوف يجتمع جنود لم يعودوا شباناً في العاصمة واشنطن لإحياء الذكرى السنوية الأربعين لسلسلة معارك وقعت في جبال فيتنام وكانت بمثابة البداية الحقيقية لحرب أميركا في ذلك البلد. وبالنسبة للمحاربين القدامى من فرقة الفرسان الأولى الذين خاضوا المعارك الدموية مع المقاتلين النظاميين في الجيش الشعبي لفيتنام الشمالية، فإن هذه الذكرى تبقى دائماً ذكرى حلوة ومرة. ونجتمع كل سنة في عيد المحاربين القدامى لنتذكر 305 جنود من أشقائنا الذين قتلوا في تلك المعارك في نوفمبر 1965.

وفي كل سنة يتضاءل العدد بينما تحصد السنوات المزيد من الأصدقاء. والأسبوع الماضي حضرنا جنازة الرقيب أول متقاعد جيمس سكوت في الكتيبة الثانية بفرقة الفرسان الأميركية السابعة حيث ووري الثرى بمقبرة بوست في قاعدة فورت بينينغ بولاية فلوريدا.

لقد خاض هذا الرجل ثلاثة حروب شارك في الحرب العالمية الثانية وقاتل في كوريا وفيتنام، ونال أوسمة شرف عديدة من بينها أربعة أوسمة من تلك التي تقدم للجرحى. كان يتمتع بحس دعابة مميز واستمرت منافسته الودودة مع الرقيب أول بازل بلوملي من الكتيبة الأولى بفرقة الفرسان السابعة قرابة نصف قرن.

فلقد تراهن هذان الرجلان على صندوق شراب، بينما كانا على القارب في طريقهما إلى فيتنام، والفائز في الرهان هو الذي يصاب أولاً في هذه الحرب الجديدة، وربح الرهان سكوت أو ربما خسره، وذلك يعتمد على طريقة تقويمك للنتيجة، لكنه ظل يقول بأن بلوملي لم يعطه صندوق الشراب حسب الاتفاق.

وكان بلوملي يقول بأن سكوت كان بخيلاً، وكان يريد أن يقبض على صندوق الشراب مرتين أو ثلاث مرات عن الرهان نفسه.

* أي رفاق سلاح كانوا هؤلاء؟

ـــ قائد »عصبة الأشقاء« الجنرال المتقاعد هال مور أصبح في الـ83 من عمره وبدأت همته تتثاقل في جدول يرهق حتى الشبان، وفي الربيع الماضي ألقى خطاب الوداع في 4000 طالب في كلية »ويست بوينت« الحربية.

وأخبرهم انهم سيستمعون إلى مدرسين ومدربين كثر يتحدثون عن مبادئ القيادة في ويست بوينت وسنواتهم الأولى كضباط شباب لكنه قال لهم إن لا أحد سيحدثهم عما يعتبره هو أهم تلك المبادئ على الإطلاق وهو الحب.

وصدم الطلاب الأغرار وأساتذة الكلية الحربية لما سمعوه. فالحب ليس سمة يربطونها بالقيادة في ساحات القتال أو بالحياة العسكرية عموماً. لكن المحارب القديم الطاعن في السن الذي يعتبر رمزاً موقراً في الأكاديمية العسكرية التي تخرج منها عام 1945 قال لهم إن عليهم أن يحبوا جنودهم ويفكروا بهم ويرعونهم ليلاً ونهاراً في أوقات الرخاء وأوقات الشدة.

وقال إنك إذا أظهرت حبك وإخلاصك لجنودك فسيردونه لك مئة ضعف وإنك يجب أن تعتني بهم ليس تنفيذاً للتعليمات ولكن بدافع محبتك لهم.

وحتى أصغر الجنود الذين قاتلوا في »إيا درانغ« أصبح الآن يناهز الستين من عمره.

جميعهم واعون لزحف السنين ومدركون لحقيقة أنه بعد 40 عاماً من قتالهم في الفصل الافتتاحي الكبير لحرب فيتنام تخوض بلدنا حرباً أخرى تجمعها أوجه شبه مخيفة بالحرب التي سرقت شبابهم وقسّمت بلدهم قبل سنين طويلة.

لكن لبضعة أيام سوف توضع السياسة جانباً، فيما يتجمع المحاربون القدامى وأولادهم وأحفادهم وعوائل أشقائنا الذين سقطوا في الحرب، من أجل جرعة من المودة والذكريات مع الرفاق الذين وقفوا إلى جانبنا.

في عيد المحاربين القدامى سوف يدشن جنود فرقة الفرسان المسنين بقبعاتهم السوداء الاحتفالات الرسمية عند النصب التذكاري لمحاربي فيتنام على إيقاع النشيد الوطني للفرسان وهو أغنية ايرلندية قديمة بعنوان »غاريوين« وعندما نمر أمام الواجهة الشرقية للنصب سنتوقف لنؤدي التحية العسكرية لأولئك الذين سقطوا في تلك المعركة قبل 40 عاماً.

نحن الذين عرفنا الحرب ولا يمكن أن ننساها نصلّي رجاء في أن يعم السلام يوماً ما، وأن تستفيق الأمم التي تهدر ثرواتها على قتل الشباب يوماً ما لتستثمر تلك الثروات في التعليم وأن يأتي عيد المحاربين القدامى يوما ما من غير وجود محاربين قدامى أحياء يحتفلون به.

وأتذكر الآن كلمات قصيدة كتبها لورنس بنيون في الحرب العالمية الأولى بعنوان »من أجل القتلى«.

»هؤلاء لن يهرموا بينما نهرم نحن الباقون والشيخوخة لن تبعث فيهم الضمير ولن تهينهم السنون. سنتذكرهم مع بزوغ كل فجر وعند المغيب«.

خدمة لوس أنجلوس تايمز

خاص لـ »البيان«