الاضطرابات وأعمال العنف التي اندلعت، في إحدى ضواحي باريس، منذ أسبوع ومازالت متواصلة ومتصاعدة؛ أضافت شحنة جديدة ومكثفة من التوتر على العلاقات بين الفرنسيين والمهاجرين العرب المغاربة بشكل خاص. الأمور بين الطرفين مأزومة أصلاً. ومن زمان. وفي فترات ومحطات سابقة أصابها المزيد من التأزيم: مثل قضية منع الحجاب في المدارس الحكومية الفرنسية والتي أدت إلى ما يكفي من التعكير بين عموم الجالية الإسلامية في فرنسا وبين السلطات ومعها الكثير من الأوساط الفرنسية.
ظاهر الانفلات ـــ المواجهة أن المجموعات من شباب المهاجرين في ضاحية سان دونيه، قاموا بالنزول إلى الشارع وأمعنوا حرقاً وتخريباً بكل ما طاولته أيديهم من سيارات ومبان تجارية وأملاك عامة؛ وذلك في أعقاب مقتل شابين من الجالية قضيا صعقاً بالتيار الكهربائي، لدى فرارهما من الشرطة الفرنسية.
لكن حجم عمليات الشغب واستمرارها لأكثر من أسبوع، يشي بأن المسألة أبعد من مجرد رد فعل على الحادثة. فهذه الأخيرة كانت على ما يبدو، الشرارة التي أشعلت برميل البارود الجاهز للانفجار والغضب الذي انفجر بهذه الصورة ينم عن وجود احتقان مزمن.
ثمة معادلة غير مستقيمة راحت عواملها تتراكم بوتيرة كانت محكومة بأن تبلغ هذه النقطة. من جهة هناك تعبئة وتمييز؛ ومن جهة ثانية كان هناك غبن ومعاناة. فليس سراً أن المهاجرين ـــ وبالذات المغاربة ـــ يعيشون ظروفاً صعبة وقاسية في فرنسا. البطالة متفاقمة في صفوفهم وحتى المواطن منهم يشكو من نظرة ومعاملة دونية له ويشعر بالتمييز ضده. على الأقل هذا هو الشعور السائد في أوساطهم.
ولتعزيز هذا الشعور وزيادة الطين بلة وصف وزير الداخلية، ساركوزي، الذين قاموا بأعمال الشغب بأنهم من »الحثالة« الأمر الذي صب الزيت على النار في صفوفهم.
ان مثل هذه المعاملة، مع هكذا خطاب، في ظل الظروف التي يعيشها المهاجرون؛ لن تؤدي سوى إلى مفاقمة الغضب والشعور بالإحباط. لكن بالتأكيد لا تشكل مبرراً للانفجار التخريبي الذي حصل. فالساحة الفرنسية توفر القنوات القانونية والسياسية والمدنية لمعالجة التظلم. ولو بالتقسيط ومع الوقت فذلك سبيل أضمن لبلوغ الحلول ووضع الأمور في نصابها. فلا مدخل إلا الحوار.
نقيضه خسائر للجميع وتوسيع لفجوة الجفاء والتباعد والنفور، خاصة بالنسبة للجاليات العربية والإسلامية؛ حيث ان مثل هذا الانزلاق إلى الفوضى والتخريب يزيد من الأذى للسمعة العربية والإسلامية؛ المحقونة الأجواء ضدها، إلى حد الاستعداء منذ 11/9. كما يؤذي العلاقات العربية ـــ الفرنسية التي مازالت جيدة ومفيدة للجانبين.
حسناً فعل رئيس الحكومة الفرنسية عندما أمهل حكومته فرصة شهر واحد فقط لمعالجة أوضاع الضواحي. على ألا تكون المعالجة أمنية فقط. بل لابد أن تكون شاملة وأن تأتي على قاعدة التعامل مع مواطنين وليس مهاجرين ترتسم فوقهم علامات الارتياب.