منذ اندلاعها في أواخر سبتمبر 2000 اتسمت الانتفاضة الفلسطينية الثانية بظاهرتي المقاومة والعسكرة، وقد أثارت هاتان الظاهرتان مشكلات ومجادلات كثيرة ومعقدة في الوسط السياسي الفلسطيني. وكان أجدى بالنسبة للنقاش الفلسطيني التمييز بين هاتين الظاهرتين منعاً للالتباس والخلط، ولكن الأمر لم يأخذ هذا النحو، لأغراض التوظيف السياسي والمزايدات السياسية الفصائلية.

ففي حين تبدو المقاومة المسلحة عملاً مشروعاً وكفاحياً في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي، فإن العسكرة هي نوع من إضفاء البعد العسكري على مجمل الحياة السياسية الفلسطينية، وهي عمل سلطوي يستخدم القوة لفرض السيطرة على المجتمع أو على الحيز المدني العام، سواء جاء من جانب السلطة أو المعارضة.

حتى المقاومة المسلحة فإنه من الخطأ التعامل معها وكأنها شيء مقدس ومطلق وفوق طائلة النقد، بغض النظر عن جدواها وتأثيراتها. وفي هذا الإطار ينبغي لنا التأكيد على جانبين، هما على غاية في الأهمية.

الجانب الأول ومفاده، أن مقاومة الاحتلال لا تقتصر على المقاومة المسلحة، وهكذا فإن صمود الفلسطينيين في أرضهم ورفضهم للاحتلال، هو شكل من أشكال المقاومة. كذلك فإن الانتفاضة هي شكل يختلف تماما عن المقاومة. فالانتفاضة الأولى (1987ـ1993) مثلا، والتي سميت انتفاضة الحجارة، لم تعرف اللجوء للعمل المسلح وإنما كانت تتسم بالطابع الشعبي وبمظاهر العصيان المدني وقذف الجنود الإسرائيليين بالحجارة..الخ. وبديهي أن حصر المقاومة بالأشكال المسلحة يعني احتكارها بمجموع المسلحين، ما يعني إخراج الشعب من دائرة المقاومة، وهذا شيء غير منطقي وغير صحيح على الإطلاق.

وما ينبغي إدراكه هنا أن المقاومة المسلحة ليست بديلا عن الانتفاضة، وهي تأتي لإحداث ضغط ما، وبحسب الظروف والمعطيات، ووفق حسابات مدروسة لموازين القوى والتوظيفات السياسية وردود الفعل المحلية والدولية.

وفي الظروف الفلسطينية فإن المراهنة على الخيار العسكري وحده خاسر، بحكم موازين القوى المختلة لصالح إسرائيل، واحتكارها التسلح النووي، وتمتعها بضمانة الدول الكبرى، لأمنها واستقرارها، وبحكم الوضع العربي الراهن. بذلك فإن دور المقاومة المسلحة يتمثل بإرهاق إسرائيل وزعزعة علاقات الاحتلال والاستيطان، ودفعها إلى المربع السياسي، أما هزيمتها فتحتاج إلى معطيات سياسية عربية ودولية غير متوفّرة، في المدى المنظور على الأقل.

أما الجانب الثاني، الذي ينبغي التأكيد عليه هنا، فيتلخص بواقع أن المقاومة المسلحة لا تقتصر فقط على العمليات التفجيرية في المدن الإسرائيلية. ومن زاوية الإحصائيات فإن هذا الشكل من العمليات كبد الإسرائيليين 40 بالمئة فقط من خسائرهم البشرية (خلال السنوات الخمس الماضية)، ما يعني أن عمليات المقاومة في الضفة والقطاع المحتلين، التي استهدفت الجنود والمستوطنين، هي التي أدت إلى مصرع العدد الأكبر من الإسرائيليين في تلك السنوات.

هكذا فإنه ينبغي هنا التمييز بين المقاومة المسلحة والعمليات التفجيرية (الاستشهادية)، فليس صحيحا أن من يعارض هذه العمليات يعارض المقاومة. فثمة خلط مقصود، وغير مفيد، هنا للتشويش على هذا الموقف. وإجمالا فإن حصر البعض للمقاومة في هذه العمليات، سهّل وشرّع لإسرائيل ومن معها، الإمعان في الاستفراد بالفلسطينيين والبطش بهم، ووصم مقاومتهم المشروعة بالإرهاب، وشوش على عدالة قضيتهم على الصعيد الدولي، وغطّى حملات إسرائيل الوحشية ضدهم، وأدخلهم في مواجهات استنزفت قواهم.

بالطبع ثمة من يعتقد في الساحة الفلسطينية بأن الكفاح المسلح، بمختلف تجلياته، هو شكل مقدس، لا يخضع للنقد، وكأنه هدف بحد ذاته، وهذا خطأ تماما، إذ إن الحرص على التجربة الوطنية الفلسطينية بما فيها المقاومة المسلحة، تستدعي نقد هذه التجربة، بمعنى ترشيدها وتسييسها.

وبالنسبة لظاهرة العسكرة فهي تعني طغيان دور الأجهزة الأمنية والعسكرية في العمل الفلسطيني، وتفشي الفوضى في استعمال السلاح وإظهاره في المجتمع، وفي بروز احتكاكات مضرة وخطيرة بين المسلحين، فضلا عن أنها تعني سيادة لغة العنف بين الفصائل الفلسطينية وداخل المجتمع الفلسطيني بمختلف الاتجاهات وبالمعنى السلبي، على حساب لغة الحوار.

وقد تجلت هذه الظاهرة بانتشار الملثمين في المظاهرات وحمل السلاح في تشييع الشهداء، وإطلاق الرصاص في الهواء، ثم امتدت لتشمل حالات اختطاف واعتداء على مسؤولين واحتلال مكاتب وسيطرة على شوارع وبروز »رؤوس« أو جماعات لا مرجعية سياسية لها!

وعلى أية حال فإن هاتين الظاهرتين (المقاومة والعسكرة) تعايشتا سلبا في الساحة الفلسطينية ما أدى إلى تداخلهما، وإلى التباس الموقف منهما، بسبب غياب المرجعية الواحدة، وتعذر رسم استراتيجية سياسية وميدانية مشتركة لقوى العمل الفلسطيني، وبسبب حال التنافس والتنازع بين الفصائل، وأيضا بسبب غياب علاقات المؤسسة والحياة الديمقراطية في الساحة الفلسطينية.

ومن تفحص التجربة الفلسطينية يتبين لنا أن حكومة شارون استغلت الفوضى في الساحة الفلسطينية وغياب الاستراتيجية المشتركة، فعملت على استدراج الفلسطينيين إلى المربع الأمني/العسكري، لأسباب أهمها:

1ـ تفوّقها على الفلسطينيين في هذا الميدان.

2ـ إظهار المواجهات وكأنها محض عسكرية بين طرفين متكافئين، أو بين جيش وجماعات عسكرية محترفة (وملثمة)، تمتلك الأسلحة والصواريخ وتصنّعها!

3ـ التحرّر من الضغوط الدولية (الرسمية والشعبية) في تجريدها الحملات لتدمير وتقتيل الفلسطينيين.

4ـ اعتبار أن الحرب الوجودية والعسكرية تعزّز نفوذها، وتحيّد وتهمّش القوى المعتدلة، في المجتمع الإسرائيلي.

5 ـ منع الفلسطينيين من احتكار صورة الضحية والتعاطف الدولي، عبر التغطية على طابع الصراع، باعتباره بين دولة محتلة تفرض سيطرتها بالقوة الغاشمة، وشعب يسعى للتخلص من الاحتلال بكل الوسائل.

6 ـ استغلال الحرب الدولية ضد الإرهاب، لوصم المقاومة بهذه الشبهة، والتشكيك بعدالة غاياتها وشرعيتها، والإيحاء للعالم أن إسرائيل مستهدفة بالإرهاب مثل الغرب، وليس بسبب الاحتلال.

الواضح أن الفلسطينيين، على تعدّد اجتهاداتهم وغاياتهم وتنافساتهم، لم يستنبطوا الاستنتاجات المناسبة، للرد على الاستراتيجية التي اتبعها شارون ضدهم، لاستنزافهم وتحطيمهم وتقويض كيانهم الوليد، وأنهم، في كفاحهم الصعب والطويل والمعقّد، لم يولوا الانتباه اللازم للتغيّر في المعطيات المحيطة محلياً ودولياً وإقليمياً، لاسيما مغزى صعود شارون إلى رئاسة حكومة إسرائيل (2001)، وتداعيات الحرب الدولية ضد الإرهاب (بعد 11/9/2001)، ومعاودة السيطرة الإسرائيلية على مناطق السلطة (2002)، واحتلال العراق (2003).

على ذلك فقد شهدنا كيف خاض الفلسطينيون مقاومتهم بعقلية الضربات القاضية (العمليات التفجيرية وإطلاق الصواريخ)، لا بعقلية الاستنزاف طويل الأمد، وزجّوا بكل قواهم في أتون الصراع الحامي، مرة واحدة، دون أن ينتبهوا لأهمية الاقتصاد بقدراتهم المحدودة. وتعاملوا مع الانتفاضة، كأنها معطى أبدي، وكأنه لا يوجد في تاريخ حركات التحرر انكفاءات.

ورغم انكشاف محاولات إسرائيل استدراجهم للمواجهات المسلحة، إلا أنهم، على الأغلب، استجابوا لهذه العملية بدل أن يتحسّبوا لها، الأمر الذي تكرر مؤخرا بعد الانسحاب الإسرائيلي من قطاع غزة. أيضا ورغم أن إسرائيل هي التي أصرّت على نبذ أي خيار سياسي، إلا أن الفلسطينيين، بخلافاتهم وتباين مواقفهم، سهّلوا لها ذلك؛ ما سدّ الأفق السياسي أمامهم، بالنظر للتفوق العسكري الإسرائيلي والمعطيات الدولية والإقليمية غير المواتية.

يستنتج من ما تقدم أن الفلسطينيين مدعوون لإجراء مراجعة نقدية جدية لتجربتهم في المقاومة، وضمنها المقاومة المسلحة، وتبين نجاحاتها وإخفاقاتها، بشكل موضوعي وواقعي، ووضع حد لظواهر الفوضى والتفرد والمزايدة في تجربتهم السياسية، حتى يحرموا عدوهم من استغلالها، وكي يجنبوا شعبهم مزيداً من المواجهات الصعبة والمدمرة.

كاتب فلسطيني