أن تكون كاتباًَ بلا مبادئ منحازة إلى طرف ما أو معسكر هنا أو هناك فهذا شيء قد يكون مقبولاً بل ومطلباً ربما لتثبيت الحيادية في المواقف والآراء التي تتطلبها الأمانة في التعامل مع القارئ وعدم تشويش الصورة التي يمكن ان تتأثر بما يسمعه أو يراه أو يقرأه. ولكن ان تكون كاتبا حسب الطلب وفي كل واد له شأن يلبس فيه عباءة أخرى فهذا في الحقيقة لا يمكن ان يوصف الا في كلمة واحدة قد تحصر في (نفاق) وربما تتجاوزه إلى ما هو أبعد من ذلك بكثير.

وفي تجارب كثيرة في العالم تبدلت لهجة الكتاب والصحافيين مع تغير الأنظمة ولكن هذا التغير لم يكن انقلاباً جذرياً من »مع« إلى »ضد« بل كان وهو ما يؤكده المنطق جزءاً من عملية التعامل مع الأمر الواقع واستعراضاً لما قد يكون سبباًِ في الذي آلت إليه الأمور مع هذا النظام أو ذاك.

ولكن تبقى التجربة العراقية نموذجا فريدا في التعامل مع مثل هذا الأمر حتى باتت اقرب إلى المهزلة منها إلى التأقلم أو معايشة الأمر الواقع، ففي واقع يوم ثم أيام من تغير النظام في بغداد خرج العديد من الصحافيين والكتاب وحتى بعض قادة الرأي (سابقا) ليقولوا كلاما في الفضائيات والصحف اقشعرت له أبدان الناس في العراق ذاته كون الناس هناك يعرفون ان المتحدثين أو الكتاب كانوا من المقربين لهذا النظام لا بل من كتاب التمجيد والتهليل والتنظير للنظام والحزب وأفكار قائده، ثم أنهم كانوا في هذا الأمر حتى سقوط هذا النظام ودخول قوات الاحتلال البلاد لتحكم بمن جاء معها الأرض والعباد.

احد هؤلاء الذين أتحدث عنهم كان رئيس تحرير المجلة الرسمية الوحيدة في العراق وكان بدرجة مدير عام وقبل سقوط النظام بفترة وجيزة دخل احد مستشفيات بغداد لعمل عملية جراحية في الزائدة الدودية أو ما شابه فأرسل له الرئيس السابق للعراق صدام حسين سكرتيره الشخصي ومدير مكتبه عبد حمود بباقة كبيرة من الزهور وليبلغه تمنيات(الرئيس) بالسلامة مع الهدية بالطبع.

الآخر كان وكيلا أقدم لوزارة الإعلام وهو الرجل الوحيد الذي شغل هذا المنصب طيلة فترة حكم صدام تقريبا وان تغير وزراء الإعلام هناك، ثم هناك احد الكتاب المبدعين في حينه كان يصف الرئيس دائما (وهو الأمر الذي لم يضف إلى أسماء الرئيس الرسمية) بــ »سفينة النجاة« نال من النظام السابق دارا وقطعة ارض وأكثر من سيارة شخصية ومناصب صحافية خرج بعد ان سقط النظام بفترة وجيزة إلى إحدى الدول العربية ليتحول إلى منظر في »عيوب القائد«.

المثال الأمرُّ أحد الإعلاميين الذي تحول إلى بوق لكره النظام السابق، أفردت له إحدى القنوات الفضائية مساحة من الهجوم الشديد على رئيس النظام العراقي السابق وهذا الأمر حتى هذه الصورة مقبول ولكن حين تعلم ان هذا الكاتب أنجز رسالة ماجستير في كلية التربية جامعة بغداد بعنوان »القيم الخالدة في أحاديث القائد صدام حسين« كانت عبارات الإهداء فيها بالنص الأتي :»إليك سيدي القائد، يا ارق من قنينة العطر، وأنضر من ورد الجوري, وأدق من حد السيف, اهدي ثمرة جهدي هذا«..

Alkhattab26@hotmail.com