عندما يخرج الناس متظاهرين في الشارع، فان ثمة رسالة ما يراد إيصالها لجهة ما من هذا الحشد بكل ما فيه. إذا رفعوا أغصان الزيتون فهذه رسالة، أرغفة الخبز، الرايات الوطنية، رايات أحزاب وأيقوناتها فتلك رسالة. وإذا حملوا البنادق فتلك رسالة من نوع آخر وهكذا.
الرسالة موجهة إلى عنوان دوما والسؤال هنا: ما هي الرسالة التي تريد إيصالها استعراضات مؤيدي حركة المقاومة الإسلامية »حماس« وعناصرها أو مؤيدي حركة الجهاد الإسلامي؟.
لقد درج نشطاء حماس على مثل هذه الاستعراضات في مناسبات شتى، فما هي الرسالة التي ينطوي عليها حمل المقنعين للأسلحة؟. من هو المعنى بهذه الرسالة؟. إلى من يتوجه هؤلاء برسالتهم؟.
مسايرة الافتراض القديم الذي ألفناه جميعا وهو أن الرسالة موجهة إلى الإسرائيليين لم تعد مقنعة. قصف الطائرات الحربية الإسرائيلية للمحتشدين في تظاهرة الفرح بجلاء قوات الاحتلال من غزة قبل أسابيع، يعطينا مؤشرا آخر للقراءة.
حقد إسرائيلي؟ وارد جداً، تذكير للفلسطينيين بأن اليد الإسرائيلية لا تزال طويلة؟ هذا مؤكد. لكن هل كان الأمر سيختلف لو أن المحتفلين لم يعلنوا هويتهم بمثل هذا الشكل الفاقع؟. مجسمات صواريخ وبنادق واستعراضات للمقاتلين وحشدهم وسط الناس في استعراضات حماس؟.
ثمة فارق بين الاحتفال والاستعراض، فالناس يمكن ان تخرج للاحتفال بدوافع عفوية للغاية، يكفي ان تطلق بضعة نسوة الزغاريد أو أن تنظم سيدة مسنة بعضا من أبيات عامية مرتجلة لكي يحتشد الناس ويحتفلوا. لكن الاستعراض أمر آخر.
إذا كان لدينا جواب يقول إن الإسرائيليين لن يفرقوا بين احتفال عفوي أو حشد يغني ويدبك وآخر مليء بالناشطين والبنادق، فهذا غير مستبعد، لكن ألا ترون الفارق؟. الاستعراض دعوة للقتل: ها نحن نشطاء حماس وجماهيرها ومقاتلو القسام. النتيجة: ضحايا من الناس ومقاتلون »قساميون« سقطوا دون معركة.
هذا مؤسف للغاية وتفصيل لا يسترعي الانتباه، لكنه يعبر عن صميم أزمة لا يلتفت إليها كثيرون حتى في فلسطين نفسها. فحماس مثل غيرها من التنظيمات الدينية التي تملك نموذجها الإيديولوجي الخاص الذي لا تربطه بنماذج الفلسطينيين الآخرين أي صلة: نموذج للثورة ونموذج آخر للدولة. وفي تفصيل كهذا، فان النموذج الخاص بما يفرضه من قطيعة مع الآخرين (السلطة، التنظيمات) يعطينا نتيجة واحدة: الفلسطينيون منقسمون حتى في الاحتفال بتحرير بقعة من ترابهم الوطني. غير قادرين على أن يتشاركوا حتى الفرح بتحرير أرضهم.
لنفكر في جواب آخر محتمل لو أن الحشد المحتفل كان مختلطا وفي الساحات والشوارع وليس احتفالا خاصا لتنظيم لا يحتاج زعماؤه لأي إثبات على أنهم ونشطاءهم مستهدفون من الإسرائيليين في أي لحظة.
الاستعراضات لا تبدو موجهة للإسرائيليين. وهي بكل هذه الكثافة من الرموز سواء البنادق أو طوابير الاستشهاديين بأحزمتهم الناسفة أو الرايات أو الرؤوس المعصوبة بالشرائط التي تذكرنا بمتطوعي الباسيج في إيران، ليست سوى محاولة لتأكيد الحضور عبر مشاهد متكررة ومكثفة بصريا. هل تحتاج حماس لإثبات شيء للإسرائيليين أم ان المقصود بالرسالة عنوان آخر؟.
سيكون من الخطأ التصور ان الاستعراضات على هذا النحو موجهة للإسرائيليين والرأي العام العالمي مثلا، بل هي موجهة إلى الداخل الفلسطيني، إلى الفلسطينيين أنفسهم. ففي مقابل سلاح السلطة وكثافة الحضور الأمني، تبرز الحاجة لتأكيد الحضور المقابل أيضاً باستعارة الرموز نفسها: البنادق والأنصار المستعدين للموت. الرسالة مزدوجة، فبقدر ما تبدو موجهة للعدو الأساسي، فهي موجهة بالأساس للمنافس المحلي وللجمهور الفلسطيني.
ابعد من هذا، فهي عندما تقرأ في سياق أعم وأكثر شمولا، قد لا تصمد أمام حقائق أخرى يتم المرور عليها بكل خفة.
لقد اغتيل الشهيد يحي عياش قبل سنوات عبر اختراق امني بشري. تكرر هذا أيضا مع الشهيد عبدالعزيز الرنتيسي الذي اغتيل بوشاية من مصدر بشري كان يتتبع سيارته مثلما هي غالب عمليات الاغتيال التي راح ضحيتها قادة ونشطاء حماس. ومع هذا لا تبدو هذه الاختراقات الأمنية كافية لكي تصحح أي مفهوم في التعامل مع الإسرائيليين. وإذا كانت الاستعراضات السابقة لم تفصح عن مثل هذا الخلل، فان استعراض الاحتفال بالجلاء أوضح المفارقة بشكل جلي. كيف يتصرف تنظيم مستهدف بمثل هذه الخفة ويحشد أنصاره وعناصره بهذا الشكل الصارخ وآلاف الناس في مكان واحد ولا يتوقع من الإسرائيليين الذين لم يوفروا قادته أن لا يقدموا على شيء؟.
يستدعي هذا امتحان الادعاء بأننا نعرف الإسرائيليين جيدا، لكن هذا سؤال آخر يتم المرور عليه تحت وطأة الحرب الشاملة التي يشنها الإسرائيليون على الشعب الفلسطيني. وعندما لا تستوقفنا مثل هذه الأسئلة فان هذا يعني أن الإسرائيليين ماضون في تحقيق النجاح تلو الآخر. انهم ينجحون لا بسبب شجاعة خارقة ولا قدرات استثنائية بل لأنهم يشنون حربهم ضد العقل الفلسطيني بالدرجة الأولى. عقل حماس وعقل السلطة وعقل كل تنظيم وعقل الشعب الفلسطيني بأسره. وعندما تتوقف الأسئلة والمراجعات ونصبح أسرى المقولات الحصرية فهذه أولى علامات شلل التفكير العقلاني.
كاتب بحريني