هل يعقل أن تكون دولة الإمارات طاردة لأبنائها، وهي التي يفد إليها عشرات الآلاف من كل أرجاء المعمورة. فرص العمل متاحة للجميع من دون استثناء، اللهم إلا من شروط تفرضها المؤسسات التي تبحث عن كوادر تستفيد منها قدر المستطاع، وبأقل الخسائر المادية.
نعم إنها معادلة الرأسمالية المتوحشة، وهي التي تجعل الإنسان يبحث في هذا الكون، عن منطقة العدل والاحترام، عن مكان يشعر به أنه معطاء، وأنه ينتمي لمكان، لمؤسسة تحترم الذات الإنسانية، وهي حالة من حالات الاغتراب، اغتراب الإنسان عن ذاته، عن محيطه الاجتماعي، وربما الاقتصادي، وفي كثير من الأحيان عن محيطه السياسي. كم هو حزين، هذا الواقع الإنساني في عالم جديد، عالم الألفية الجديدة، عالم يبشر بمرحلة جديدة، من مراحل صراع الإنسان مع الإنسان، ومع ذاته من جهة أخرى، وأيضاً مع محيطه الخارجي بشكل من الأشكال.
لست أدري لماذا عادت بي الذاكرة إلى القرن الماضي، ذلك القرن الذي شكل منعطفاً تاريخياً في حياة البشرية، فهو الحلم واليقظة، الخير والشر، الطموح واليأس، الانفتاح والانغلاق، هو القرن الذي لن يتكرر في أي زمن من الأزمان. فأي عصر محكوم بعامليه الذاتي والموضوعي، والقرن الماضي كان غنياً بهما معاً، حيث برزت افكار وثورات وزعماء كانت لهم مكانتهم، ومن ثم غابوا حتى عن الذاكرة الإنسانية، وإذا كان لابد من الابتعاد قليلاً، عن ذكريات الزمن الذي مضى، والعودة إلى الحياة الحالية التي تتطلب العودة إلى الواقع، إلى مشكلات لم تكن تخطر على البال، هل يعقل أن البحث عن العمل يجعل الإنسان كمن يحلم بالعيش بعيداً عن كوكبنا الأرض وفي عالم سحري مجهول؟
في السبعينيات (1970) طرحت للمرة الأولى هجرة الأدمغة من الوطن، كانت هنالك ندوة في بيروت، مدينة الحرية، مدينة التناقضات العربية حين ذاك!! وكان المشاركون في تلك الندوة يشكلون الأطياف الأكاديمية الاقتصادية منها والاجتماعية والسياسية.
كانت ظاهرة هجرة الأدمغة العربية إلى الغرب أو الشرق، قضية تشغل بال المفكرين العرب، كيف يحدث ذلك في عالم هو بحاجة لكل الكوادر البشرية، من العلماء في كل المجالات، إلا أن الأرقام كانت كالشمس التي لا يمكن حجبها عن العيون، فمن الذين هاجروا كان العالم أو الإنسان الذي يبحث عن الأمن والأمان، ويبحث عمن يقدر إمكانياته العلمية ويوفر له كل الإمكانيات المادية والمعنوية ليعطي وينتج، وذاك الذي هرب من أجل حياة كريمة، وذاك السياسي الذي يبحث عن مكان يحترم فيه الآخر من دون خوف ولا وجل.
وكم هو معبر عن واقع هذا الإنسان الأمثولة التي وردت في إحدى روايات الكاتب المبدع، عبدالرحمن منيف عندما وصل أحد شخوص روايته إلى فرنسا ليجد هناك مكاتب لأحزاب يدخل إليها الناس ويخرجون دون خوف ولا وجل، وأين هذا من بلادنا التي كان شعارها الخالد »من تحزب خان«، وآخر هرب من جحيم حاملي صكوك الغفران، أو رافعي شعارات القبلية الجديدة، في أرجاء عديدة، من ذلك الوطن الذي يمتد من المحيط إلى الخليج.
كم من العقول العربية والكفاءات العلمية والفكرية وجدت الخلاص في الهجرة.
وتركت الساحة لتلك القوى التي لا تمتلك من الأدوات إلا فن التلون أو تلك السلامي التي تتكون بكل ألوان الطيف، وسادت الواسطة والمحسوبية، والنفاق، وكان ثمن ذلك استمرار التخلف والتبعية، والمزيد من هجرة العقول والمبدعين، وحتى العمال الباحثين عن لقمة العيش، كم كان ذلك الوضع معبراً عن واقع تراجيدي.
واستفادت الأمم التي رحبت بأولئك القادمين من الشرق، كوادر مؤهلة، تحمل المؤهلات العلمية. وفي الوقت نفسه رحبت تلك الأمم بالقوى العاملة التي كانت على استعداد للعمل وبجهود جبارة، من أجل رغيف الخبز والعيش بسلام. وهي أيد عاملة رخيصة نسبياً ولا تحمل ثقافة تلك المجتمعات الغربية التي تطالب بحقوق الطبقة العاملة الممثلة بنقاباتها وتنظيماتها.
ومع النصف الثاني من القرن العشرين بدأت بعض الدول العربية، خاصة النفطية منها باستقدام قوى عاملة من شرق آسيا، لا تحمل الثقافة والقيم الاجتماعية السائدة في المنطقة. في الوقت الذي كان شطر إفريقيا من الوطن العربي يشهد هجرة بمئات الآلاف من أبنائه إلى الغرب، ولم يكن ذلك إلا مؤشراً على خلل في السياسات العامة العربية. لقد كان الوضع تراجيدية سوداء بكل ما تحمله الكلمة من معان!
هل يمكن أن تحدث هجرة الأدمغة من دول الرفاه والتقدم، من دول تعاني من قلة عدد السكان من المواطنين، مثل الكويت، وقطر، والسعودية، والإمارات. بعد أن عجز هؤلاء عن إيجاد عمل، هل من المعقول أن يعيد التاريخ نفسه، هل أدت مشكلة العاطلين عن العمل، إلى بروز ظاهرة جديدة ـــ وهي قديمة- في الهجرة إلى الخارج! إنها قمة المأساة الإنسانية حين يفكر الإنسان في الهجرة من بلد لا يجد له مكاناً فيه، في حين يستقبل آلاف المهاجرين، هل هذا هو جزء من مرحلة جديدة. إن الحاجة تدفع الإنسان إلى الهجرة من جديد.
أعتقد أنني أعيش في حلم اليقظة، في مرحلة جديدة يحتاج فيها الوطن إلى كل أبنائه، بل إلى عناصر من الوطن العربي كافة، وهي متطلبات الحلم العربي. إن أخشى ما يخشاه الإنسان أن تضيع الصرخات التي تشير إلى خطورة المستقبل الذي ينتظرنا في واد سحيق إذا لم نتدارك الأمر ونجد لكل فرد من أفراد الوطن مكاناً له يناسب مؤهله، وأن نعمل على تأهيله إذا لم يكن يحمل المؤهلات المناسبة، فالخليج يبني ويزدهر بأبنائه وبأبناء الوطن العربي الذين تقوم على كاهلهم مهن شتى في أوروبا البحر المتوسط ونحن في دول الخليج أحوج ما نكون إليهم.
رئيس وحدة الدراسات ــــ البيان
almutawa_mohammed@hotmail.com
أخشى من خطورة المستقبل إن لم نجد لكل فرد من الوطن مكاناً يناسب مؤهله