كان شهر أكتوبر الماضي دسماً في أحداثه، غنياً في تطوراته، محزناً في بعض وقائعه، أما الأسبوع الأخير منه فكان ثقيل الوطأة .. من أقصى الشرق الأدنى حيث المآسي الكونية الطبيعية، إلى أقصى الغرب حيث دارت الأعاصير الجوية، والسياسية (أي ما تواجهه إدارة الرئيس جورج بوش في فضيحة الجاسوسة).

وفي هذا الخضم من الأحداث كان لعالمنا العربي نصيبه من التقلبات السياسية (بعد أن رحمنا الله من التقلبات الطبيعية) فالحراك السياسي على أشده في سوريا ولبنان والجزائر، مع »رياح« تصادمات دينية في مصر، وقبلية في الكويت، يقابله هدوء شديد في بقية الدول.

ومن كل هذا استرعى انتباهي ذلك الحدث الغريب الذي شهدته الكويت الأسبوع الماضي عندما اقتحم عشرات الشبان من إحدى القبائل مبنى حكوميا تستأجره محطة الرأي الفضائية وعاثوا فيه تخريبا وتحطيما بسبب مشهد تمثيلي،

فالأمر اعتيادي بالنسبة لمتابعي وسائل الإعلام تجاه ما يحدث في العالم وفي دولنا العربية ولكنه بالنسبة للكويت هذا البلد الصغير بمثابة زلزال، فالأمر يمكن توصيفه بالفلتان.

وتعود جذور هذا الفعل إلى تراكمات اجتماعية بدأت تظهر على السطح في هذا الوقت لوجود اختلال ما، في يوميات هذا البلد الصغير والذي يعاني وضعا سياسيا حذرا، فالركود هو العنوان الظاهر، ولكن الرماد يخبئ تحته الكثير من التطورات غير المسبوقة:

فأولا، النفس الطائفي آخذ في البروز إلى مستويات لم تعهدها الكويت منذ مطلع الثمانينات في عز الحرب الإيرانية العراقية.

وثانيا، الفرز المناطقي وهو ما عكسته حادثة تلفزيون الرأي ومن قبل ما جرى خلال الأحداث الإرهابية التي عانت منها منطقة القرين التي يقطنها أبناء القبائل.

أما ثالثا، فهو الوضع الحكومي الذي يعاني أمراضا عدة باعتراف رئيس السلطة التنفيذية الشيخ صباح الأحمد الصباح.. وهذا الوضع الحكومي، وهو بالطبع انعكاس للوضع السياسي العام، جعل سياسيي مجلس الأمة (البرلمان) يتمادون في فرض أجندتهم على الحكومة في صورة تبدو وكأنها ابتزاز، فمن إسقاط فواتير الكهرباء، إلى مطالبة بإلغاء الديون والقروض، والمطالبة بإجازة خلال شهر رمضان وحتى منع الامتحانات المدرسية خلال هذا الشهر!

إن عدم حسم النظام في الكويت للوضع في القمة جعل الرؤية السياسية تعاني بعض الضبابية وأوقعها أسيرة التكتلات السياسية، وحتى القبلية، فها هي جموع من قبيلة لا تتمتع بأي وزن سياسي تنتهك هيبة السلطة في موضوع سخيف يمكن حله عبر القضاء،

ولكن الأمر خرج عن حدود السيطرة في تحد للقانون ولهيبة الدولة، وهو ما حدا بصحيفة »الوطن« التي يملكها أحد أبناء الأسرة الحاكمة إلى انتقاد ما جرى واعتبرت السكوت عنه »بداية الطريق لحرب أهلية«!

الأمر قد لا يكون بهذه الصورة السوداوية، ولكنه ليس مشرقاً، فهذا التوصيف مبالغ فيه، ولكنه يقرع جرس الخطر، فعدم وضوح الرؤية حيال الوضع السياسي وترتيباته وكذلك سياسة الترضية التي تنتهجها الحكومة لتمرير القوانين والتشريعات تفتح الباب أمام أطماع البعض. اقتصاديا وسياسيا واجتماعيا وطائفيا وحتى قبليا، حتى باتت وزارات الدولة تصطبغ بهذه المعايير.

الحالة الكويتية لا يمكن توصيفها بالنظر فقط إلى العامل الداخلي، وإن كان هو الأساس والعضو الفعال، بل تطل امتدادات خارجية برأسها، فالنفس الطائفي يعززه اختلال التركيبة السياسية في العراق البلد الجار الذي طالما كانت أحواله، الجيدة أو السيئة، عامل تأثير على الأوضاع الداخلية في الكويت لعقود خمسة مضت على الأقل .. وعلى أي حال فالحل لا يكون بعلاج واحد، بل هناك حاجة لعدد من الخطوات أبرزها فرض هيبة القانون، وترتيب الوضع السياسي وتمتينه.

nidal@albayan.ae