تمنحنا معظم الآراء والمقالات التي ظهرت في الصحف العربية منذ صدور تقرير ميليس وحتى الآن صورة واضحة عن مدى تدهور وسقوط الخطاب الإعلامي العربي وتوحده المشين مع الأهداف الأميركية الاستعمارية والإسرائيلية الصهيونية في المنطقة العربية.

فعلى سبيل المثال لا الحصر يمكن للمرء أن يقرأ العناوين التالية حتى يمكنه أن يرى المدى الذي وصلته العديد من الأقلام الصحافية العربية في إدانتها لسوريا من جانب وتقبلها لنتائج تقرير ميليس من جانب آخر: نتيجتان مؤكدتان..

حصار الأسد وذهاب لحود، تقرير ميليس يصيب سياسة الأسد في صميمها، الجميع كان يعرف، سورية: »موسم انتحارات« و»قبض على الخونة«، دمشق.. حتى لا تؤكلي كما الثور الأبيض!، صفحة طويت في سورية ولبنان، التضحية بالبعث لإنقاذ سوريا، تقرير ميليس: هل اقترب الحبل من رقبة النظام السوري،

تسونامي ميليس، انهيار قوى الحملة المضادة للحقيقة عشية تقرير ميليس، الأسد يعرض التخلي عن السلطة والحكم والعيش في لندن، البعث هو الذي اجتث البعث..

وهذه هى النهاية المأساوية، البعث في مهب الريح.. غروب القتلة، أمس بغداد واليوم دمشق... إلخ من مثل هذه العناوين التي تتلذذ بإدانة سوريا وتتشفى في نظامها.!!

عكست معظم الآراء والمقالات التي كتبت حول تقرير ميليس، رغم ادعاء بعضها الموضوعية وإنقاذ ما يمكن إنقاذه، تلك الحالة التي يتوحد من خلالها المقهور بالمتسلط، حيث يتبنى خطابه ويباركه ويدعو له. فمما لا شك فيه أن العالم العربي يمر الآن بأوضاع بالغة السوء والتدهور، رغم محاولات البعض الإشادة ببعض النظم العربية على حساب البعض الآخر.

فالاحتلال والإرهاب الأميركي في العراق، والممارسات الصهيونية الإرهابية البربرية في فلسطين، وحالة تمزق الصف العربي غير المسبوقة، كلها مؤشرات تكشف عن حالة الضعف البالغة التي يمر بها عالمنا العربي الآن، والتي يصعب إنكارها أو التغاضي عنها.

وعلى ما يبدو أن حالة الضعف هذه قد ألقت بظلالها على العديد من الأقلام سواء بوعي أو بغير وعي، الأمر الذي أدى إلى توحدها بالخطاب الغربي، الأميركي بالأساس، الهادف إلى إدانة سوريا، وعقابها اقتصاديا وعسكريا.

فالكثير من هذه الأقلام وجدت أنه من السهل المضي قدماً في إدانة سوريا المغلوبة على أمرها أكثر من العمل على تفنيد نتائج تقرير ميليس وفهم دوافعه، مؤكدة بذلك توحدها البالغ مع المتسلط وولعها بالغالب.

وفي هذا السياق، يمكن القول إنه على الرغم من أن تقرير ميليس لم يقدم أدلة دامغة وملموسة لإدانة سوريا، قدر تقديمه لأطر ورؤى سياسية وذاتية واسعة وفضفاضة، فإنه قد كشف عن حجم الضعف الذي ينطوي عليه العالم العربي بشكل عام، وكتابه وصحافييه بشكل خاص.

ففي الوقت الذي اتسمت فيه الصحافة الأجنبية بلغة معتدلة إلى حد ما نحو ما حمله تقرير ميليس من إدانة لسوريا، فإن الصحافة العربية اتسمت بلغة إدانة حادة وقاطعة نحو سوريا، بل إن البعض منها قد استبق الأحداث ووضع سيناريوهات العقوبات والتدخل العسكري في سوريا أسوة بما حدث في العراق. لقد كشفت معظم هذه الآراء والمقالات التي انطلقت في الأيام الماضية بعد صدور تقرير ميليس عن الحقائق المشينة التالية:

1ـ التوجه المسبق نحو إدانة سوريا سواء من خلال المقالات التحريضية ضدها في مرحلة ما قبل صدور التقرير، أو من خلال الإشادة بنتائج التقرير في مرحلة ما بعد صدوره.

وفي هذا السياق، تناولت العديد من هذه الآراء والمقالات الحالة السورية وكأنها النموذج التالي لما حدث في العراق، بل إن البعض منها تناول أمر الغزو العسكري لسوريا كما لو أنه أمر لا مفر منه، حيث ركز على ميعاد الغزو ومدى سرعة حدوثه.

2ـ حاول البعض في دهاء يحسد عليه أن يركز على ضرورة الفصل بين النظام السوري وبين الشعب السوري، كاشفا عن مدى تعاطفه مع الشعب السوري الشقيق!! وعلى الرغم من هذا التعاطف الخبيث، فإن هذا البعض لم تعجبه التظاهرات التي خرجت في الشارع السوري ضد تقرير ميليس، واعتبرها غير ذات أهمية، مؤكداً أنها لن تنقذ النظام السوري من تداعيات تقرير ميليس.!!

3ـ بدت سوريا من خلال معظم هذه الآراء والمقالات كما لو كانت لا تنتمي إلى العالم العربي، ويمكن القول هنا أن الكثير من الأقلام العربية الآن يتناول اسرائيل بشكل أكثر حميمية مما هو عليه الحال تجاه سوريا.

وأغلب الظن هنا أن هذه النوعية من الأقلام الموتورة تكره كل ما يرتكز إلى أسس العمل العربي الوحدوي المشترك، حيث دعواتها التفتيتية المستمرة والدؤوبة ضد العالم العربي لا تكل ولا تفتر.

3ـ وارتباطا مع كون هذه الأقلام لا يهمها لا النظام السوري، ولا الشعب السوري، ولا حتى العالم العربي برمته، فإن معظمها قد أكد ضرورة أن يفهم العرب بعامة، والنظام السوري بخاصة أن العالم يتغير من حولنا،

وأنه يحتاج إلى لغة جديدة خالية من العنتريات التي يدمنها العرب، لغة خالية من مفردات مثل: القومية العربية، والمقاومة، والعدو الصهيوني، والتدخل الأميركي السافر، والاستغلال، والاستعمار.. إلخ من مثل هذه المفاهيم القديمة والمتخلفة والتي عفا عليها الزمن من وجهة نظر أصحاب هذه الأقلام!!

4ـ الشيء اللافت للنظر هنا، أنه بينما كانت هذه الأقلام تكيل التهم اليومية لسوريا، وتحرض عليها طوال الأيام الماضية، فإننا لم نسمع أيا منها يدين الممارسات الأميركية في العراق، وفضائح التعذيب المتواترة،

كما لم نسمع أيا منها يدين عمليات القتل وسياسات الاغتيالات وطقوس الهدم والتدمير اليومية التي تقوم بها إسرائيل ضد الفلسطينيين، بل على العكس فإن هذه الأقلام وتوحدا مع المستبد الأميركي من ناحية والمغتصب الصهيوني من ناحية أخرى قد تحولت نحو إدانة المقاومة الفلسطينية بكافة أشكالها والبحث عن محاولات تشويهها ونقدها.

5ـ يدعي أصحاب هذه الأقلام التزام الموضوعية في تناول ما جاء في تقرير ميليس، وللأسف الشديد فإن موضوعيتهم المغرضة تلك تحمل أشد بصمات الذاتية المغرقة في التوحد بالآخر المتسلط الأميركي الصهيوني على حساب الواقع العربي المعاصر، ومتطلبات الخروج من المأزق العربي الحالي.

وفي هذا السياق، تحتاج هذه الأقلام المتوحدة بالمتسلط إلى مواجهة شاملة من قبل أصحاب الأقلام الشريفة، من خلال نقد ذاتي حقيقي، لا ينسحق أمام الآخر المستبد ولا يتوحد معه، بل يسعى إلى مواجهته مستعينا بكل أساليب المقاومة المتاحة التي تمنحنا الحق في نقد الذات من جانب، ونقد المستبد وفض التوحد معه من جانب آخر.

كاتب مصري ــــ جامعة الإمارات