قليلون هم الحكام، في وقتنا الحاضر، الذين استطاعوا في آن واحد الجمع بين تصريف أمور الحكم والدولة وقرض الشعر والاهتمام به، وكان والدنا الشيخ زايد رحمه الله من تلك القلة التي استطاعت أن تجمع بين الشعر والسياسة.

فلم يكن، تغمدت روحه جنات الخلد، قائداً وسياسياً متمرساً بل كان أيضا شاعراً وأديباً مهتماً بالشعر والتراث الشعبي منذ أيام صباه الأولى. لقد كان الشيخ زايد ابن الصحراء عاش وترعرع تحت شمسها، وقاسم أهلها مر الحياة ورغدها، وكأحد أبناء الصحراء عشق شعرها وأبدع في نظمه، فهو القائل:

آه يا من ون من حده يا سعادة عمري الثاني

أرحموني يا زجي يده من مودة جسمي الفاني

الوجن كالورد محتده والخدود بروق زفاني

كان شعره رحمه الله كالصحراء التي ترعرع فيها وصقلت روحه، بسيطا ورحبا ولكنه عميقا. فبين رقة الكلمة ورهافة المشاعر، وبين دقة المفاهيم وعامية اللهجة في قصائده النبطية تجد روح شاعرية مفعمة بالمحبة والوضوح، بالأصالة والانتماء المطلق لشعبه وأمته ودينه. فهو القائل في رده على سمو الشيخ محمد بن راشد:

عزكم بيعزنا كلنا وقوة لأجيال أهالينا

وشعبكم هلنا وعشيرتنا ولي يوفيكم يوفينا

نهضة منكم أو هي منا نحيي الحاضر بماضينا

عيدكم محسوب عيد إلنا والشعوب اللي توالينا

يعل يود السحب لمدنا تروي الدولة ومفالينا

اهتم الشيخ زايد رحمه الله بالشعر والشعراء اهتماماً كبيراً، ولعب دوراً أساسياً في حفظ وإحياء شعر النبط في الدولة والدول الخليجية الأخرى. فبفضل توجيهاته تم تجميع الشعراء في مجالس شعرية منظمه ومتعددة، حسب مناطق الدولة، وساهمت وسائل الأعلام المختلفة بنشر إنتاجهم الشعري وذلك بهدف تدوينه وتوثيقه وجعله في متناول الدارسين والمهتمين بهذا النوع من الأدب.

كما أسهمت هذه المسألة أيضا في تعزيز شعرنا المحلي و دفع حتى الشباب الصغار للاهتمام به وقرضه من جانب آخر. أعطى اهتمام زايد بشعر وتراث دولة الإمارات مكانة قيمة لهذا الشعر والتراث جعلته يحتل مكانة لائقة على خارطة الثقافة العربية.

كان الشعر عند الشيخ زايد، وكما كتب مؤلف كتاب »حياة زايد«، دنيا جديدة من الأمجاد والبطولة والطموح والتطلع إلى المثل والقيم الرفيعة، فهو القائل:

حايز سمت ومعاني وحامي كل اشرفه

بارحب به ثماني لي ميز موقفه

لي للملا ميزاني عنده ما حرفه

النزه قدره باني والتافه ما اعرفه

تعتز به لأوطاني لي غالى في شرفه

ولي هون في المعاني يخسر في موقفه

يفشل مع العرباني وأصله ما شرفه

إلا اعمله لإنساني لي يرفع منصبه

وأن كان فعله داني يرخص عند أعربه

لم يكن زايد سياسيا ورجل دوله فقط، لكنه رحمه الله، كان منحازا للحق والأخلاق ولم يكن حياديا فيه، منحازا للموقف الثابت والجمال الروحي والأخلاقي على حد سواء، وقد ظل قابضا على هذه المثل والقيم حتى آخر لحظه.

ستظل صورة زايد في أذهاننا؛ بمشيته العربية الخالصة، بملامحه البدوية، بثباته في مواقفه، بأخلاقه التي لن تتكرر، بسيرته، بشعره وقوافيه بعصاه وربطة رأسه رجل مؤصلا لتراثه العربي وقابضا على جمرة الأصالة في زمن ساد فيه الاهتمام بالمصلحة الذاتية وقيم والاستهلاك.

لقد كان الشيخ زايد عربيا بامتياز، حمل القيم والأخلاق العربية على أكتافه وحافظ على تثبيتها وتأصيلها سلوكا وشعرا. فسلام عليك يا وارف الظل، يا زايد العز والرخاء، يا من كنت برحمتك ومحبتك وسعة صدرك ملاذاً ليس لنا فقط أبناء هذه الدولة ولكن لكل العرب.

سلام عليك يا من كنت رمزا للسريرة الصافية والكلمة الصادقة في زمن محكوم بالدجل والنفاق، يا مسندة الحق في عالم يملؤه الجور. سلام عليك يا من كنت فجرا في ظلمات واقعنا العربي، وشمعة أضاءت غدا مشرقا ليس لنا فقط ولكن لكل العالم بفضل ما أنجزته من مشاريع معمارية وإنسانية على حد سواء. وأخيرا بكلماتك أقول لك:

هنيت يا سيدي بصفاتك وأنا غني بك »م« الملايين

كل يوم بي تكبر غلاتك وألقاك دوم بعيني تزين

جامعة الإمارات