هل هناك تناقض بين القومية العربية والهوية الإسلامية؟.. وبالتالي بين الوطن العربي والأمة الإسلامية؟؟ربما يبدو السؤال غريبا وسبق تكرار الإجابة عنه من أكثر من كاتب، لكن ما يبرر العودة إليه، هو ما نشهده من تحركات مشبوهة تشير إلى عودة محاولات تقسيم الأوطان بعد تقسيم الأمة، بعد ضرب آخر أشكال الوحدة الإسلامية في الحرب العالمية الأولى، ووضع البعد العروبي في مواجهة البعد الإسلامي من خلال »الثورة العربية الكبرى«.
لقد حققت بريطانيا وحلفاؤها أهدافها بهزيمة الدولة العثمانية التي كان العرب من المحيط إلى الخليج جزء منها،وبوعدها الزائف للشريف حسين فصلت العالم العربي عن العالم الإسلامي،
وبعد القسمة الصغرى،جلس وزيرا خارجية بريطانيا وفرنسا »سايكس وبيكو« في العام 1916 لا لينفذوا الوعد للشريف، ولكن،لتنفيذ الهدف الاستعماري بالقسمة الكبرى بتمزيق الجسد العربي إلى أكثر من عشرين جزءاً، لتقسيم مناطق النفوذ بين المنتصرين في هذه الحرب.
ثم جاءت الحلقة التالية في العام 1917 بإعطاء بريطانيا »وعداً« جديد للصهاينة اليهود على حساب العرب، وقام« بلفور« بإعلان الوعد المشئوم بزرع »إسرائيل« في قلب الوطن العربي لإكمال مسلسل التقسيم، بهدف فصل المشرق العربي عن المغرب العربي،
وتأسيس قاعدة عسكرية دائمة للقوى الاستعمارية العالمية،على الأرض العربية الفلسطينية التي تضم أقدس مقدسات المسلمين والمسيحيين، وبعد هذه الهزيمة، والخديعة، والتجزئة للأمة الإسلامية تحقق لقوى الاستعمار لأول مرة احتلال العالم العربي تحت يافطات زائفة للشرعية الدولية غير الشرعية الممثلة في قرارات من عصبة الأمم التي أنشأها المنتصرون في الحرب الأولى.
وبقيام إسرائيل كان من الطبيعي أن يتضامن العرب والمسلمون معا لمواجهة اغتصاب فلسطين، أو على الأقل لفرض سلام يقوم على العدل، يعيد الشعب الفلسطيني إلى أرضه المطرود منها، وبدلا من أن تكون إسرائيل عامل فصل بين المشرق، والمغرب، يمكن أن تكون عامل توحيد القوى بين العرب والمسلمين،
باعتبار أن القضية الفلسطينية، قضية قومية وقضية إسلامية، إلا أن سيطرة الاستعمار والسياسات التي اتبعها،عملت على ارتفاع الجدار العازل الوهمي، والفكري، والنفسي بين الوطن العربي المجزأ، والأمة الإسلامية المحاصرة.
إن هذا المسلسل التقسيمي والتدميري يسير بعد ذلك في اتجاه الكفر بالعروبة، والبعد عن الإسلام لإزالة جهاز المناعة الواقية لهذه الأمة من مخاطر ذوبان الهوية، أو ابتلاع الأوطان واحدا تلو الآخر ..
وهو ما يفرض علينا الآن مواجهته والعمل على إحباط أهدافه،وذلك بالدعوة إلى تصحيح آثار سايكس بيكو القديم وإحباط الجديد، والعمل الجاد لتوحيد الأجزاء العربية، وإيقاظ الوعي الثقافي والسياسي المطلوب لردم الموانع الوهمية التي تفصل بين العالمين العربي والإسلامي، ليمكننا بناء حائط الصد المطلوب ضد مخططات الطامعين.
إن القوى القومية الواعية،والدينية المستوعبة لما يدبر لهذه الأمة من شرور، استطاعت في كثير من الدول العربية عن طريق الحوارات المستمرة، التوصل للقواسم المشتركة لتقوية الجبهات الداخلية أمام محاولات تعميق الخلافات بين القوى الوطنية العربية،..
وهنا أستعيد مشهدا من على ظهر الباخرة النيلية التي حملت الرؤساء الخمسة، عبد الناصر،وخروشوف،وبن بيللا، وعارف، والسلال في طريقهم إلى أسوان لحضور احتفالات مصر بتحويل مجرى النيل عند موقع السد العالي، عندما طرح خروشوف رأيا نقديا لمشروع الوحدة العربية،
ومتسائلا عن طبيعة العلاقة بين العروبة والإسلام، وتولى الرد عليه بحماس بن بللا وعارف، وعندما اشتد النقاش تدخل عبد الناصر قائلا بحسم: »مستر خروشوف.. تذكر أن الإسلام هو الجوهر الحقيقي للقومية العربية«.
أستعيد هذه الواقعة لكي يتذكر من لا يريد أن يتذكر، انه لا تناقض ولا يجب أن يكون هناك تناقض بين العروبة والإسلام، خصوصا بعد أن أصبحا معا هدفا معلنا واحدا للهجمة الاستعمارية الجديدة المتعددة اللافتات والجبهات،
والتي تستمد قوتها من عدم الثقة بين العربي والعربي على أساس قطري، والمسلم والمسلم على أساس مذهبي، والمسلم والعربي على أساس وهمي، ليبقى المطلوب في النهاية أن يفتح توحيد الله في السماء الطريق إلى توحيد العرب والمسلمين على الأرض.