في أعقاب عملية مدينة الخضيرة أعلن الجنرال شارون رئيس وزراء إسرائيل حربا مفتوحة على حركة الجهاد الإسلامي وعلى الأجنحة العسكرية لفصائل العمل الوطني الفلسطيني،

بخاصة وعلى بعض هذه الفصائل التي يحلو له أن يطلق عليها صفة الإرهابية بعامة وتناغم معه وزير حربه موفاز معلنا انه لا إمكانية لاتفاقيات سلام مع الجيل الفلسطيني الحالي أي انه يتطلع لموت أو إبادة الجيل الحالي كي يتمكن من إملاء سلامه على الشعب الفلسطيني.

وسبق أن أعلن رئيس الأركان السابق موشيه يعلون نظريته »كي الوعي الفلسطيني« طبعاً بنار الحرب المفتوحة على الشعب الفلسطيني. وبعيدا عن الاتفاق أو الاختلاف مع جدوى وفائدة عملية الخضيرة السياسية .

وعن كونها ردا على عمليات الاغتيال الإسرائيلية، أم أنها تنزع صورة الضحية عن الشعب الفلسطيني والصفة الأخلاقية عن حقه المشروع بالمقاومة، وعن طهارة سلاحه، أو عن كونها خرقاً للالتزام من طرف واحد لتهدئة أو رداً مشروعاً على عدوان الاحتلال وعمليات الاغتيال التي يقوم بها، وغير ذلك من مصوغات كل موقف يساندها أو يعارضها.

إلا أن السؤال الأهم هو متى توقفت حرب شارون المفتوحة وهل بدأها بالأمس في أعقاب عملية الخضيرة فقط أم أن حربه المفتوحة بدأت مع وجوده في رئاسة الوزراء منذ عام 2001، حتى لا نقول منذ دخوله سلك الهاجاناه وقيادة القوة 101 ومن بعدها الجيش الإسرائيلي متدرجا فيه حتى وصل لرتبة جنرال ووزير للحرب،

فإضافة لكون الاحتلال بحد ذاته عدواناً مفتوحاً وشاملاً، فقد أعلن شارون منذ تسلمه زمام السلطة الأولى في إسرائيل انه يحتاج لمئة يوم فقط من اجل إخماد انتفاضة الأقصى والاستقلال والقضاء عليها، وعندما عجز عن ذلك جدد لنفسه مئة يوم أخرى واستمرت عملية التجديد الدوري الذاتي مستمرة على شاكلة حرب مفتوحة بكل معنى الكلمة ضد الشعب والقوى السياسية والاجتماعية والسلطة ومؤسساتها ومراكزها.

ولم يفرق منذ البداية بين القادة السياسيين والنشطاء الإعلاميين والأذرع العسكرية، فلجأ لعملية الاغتيال الجماعي كما حدث طوال السنوات الماضية من جنين حتى رفح والفردي فأقدم على اغتيال د.ثابت ثابت وهو يهم للذهاب إلى مستشفاه والقائد أبو علي مصطفى وهو يطالع صحيفة الصباح مع فنجان القهوة في مكتبه والشيخ الجليل المقعد احمد ياسين وهو يؤدي فريضة صلاة الفجر ودمر المقاطعة على رأس الرئيس القائد أبو عمار وحاصره حتى استشهاده .

هذه ابرز أسماء القادة السياسيين الذي قام بتصفيتهم شارون وقادة جيشه واذرعه الأمنية وغيره الكثير، واليوم يهدد ابرز قادة حزبه بتكرار تجربه حصار الرئيس الشهيد أبو عمار مع الرئيس أبو مازن،

وبموازة ذلك عمل على تصفية الكثير من قادة اذرع المقاومة والأجهزة الأمنية الفلسطينية وفي مقدمتهم الرواد الكرمي ونزال ويامن الفرج وامجد مليطات وابو شرخ والعقاد والقواسمي ولؤي السعدي وعاطف عبيات والعميد احمد مفرج ابو حميد وابو جندل قائد ملحمة الدفاع عن مخيم جنين. والقائمة تطول واعتقل آلاف القادة والنشطاء السياسيين ومنتسبي الأجهزة الأمنية والمجموعات العسكرية .

ولم تقتصر حرب شارون المفتوحة على عمليات الاغتيال والاعتقال، فلجأ الى الحرب الشاملة في ماس 2002 فاجتاح الضفة الغربية بمدنها وقراها ومخيماتها وبعض أجزاء من قطاع غزة ودمر مقر السلطة الفلسطينية وأجهزتها الأمنية،

وفي مقدمتها مقر الرئيس عرفات ومقر فصائل العمل الوطني والإسلامي وأغلق طرقات وأقام الحواجز الاسمنتية، وقسم الضفة والقطاع الى معازل ولم يقتصر الأمر عند هذا الحد فأقام جدار العزل العنصري وصادر مئات آلاف الدونمات ووصل به الأمر في تطبيق سياسة الابرتهايد والفصل العنصري الى منع الفلسطينيين من استعمال سياراتهم الخاصة او التنقل بالسيارات العامة على الشوارع التي يستعملها المستوطنون،

الأمر الذي لم يحدث في ذروة الحكم العنصري بجنوب إفريقيا، واذا أضفنا لكل ما سبق حصار قطاع غزة وتحويله الى سجن كبير وميدان لتدريب جيشه على عمليات القتل الجماعي والحصار الاقتصادي الذي حول حياة الفلسطينيين الى جحيم لا يطاق يبرز السؤال الاستهجاني بل الاستنكاري

هل هناك حرب مفتوحة جديدة أكثر من هذه الحرب المفتوحة والشاملة التي لجأ لها شارون منذ استلام ائتلافه السياسي اليميني المتطرف بمساهمة شمعون بيريز السلطة في إسرائيل في بداية عام 2000 حتى لا نمد الزمن مع انه مجبول بالدم للوراء بعيدا.

فمنذ جلوسه على كرسي رئاسة الوزراء قاد حربا مفتوحة وشاملة معلنة ضد الشعب الفلسطيني مطلقا العنان لآلته الحربية، وقدمت الإدارة الأميركية بقيادة المحافظين الجدد الغطاء الأميركي الرسمي والحماية السياسية الدولية لحربه اليومية هذه، بحجة محاربة »الإرهاب« شريطة ألا تتحول هذه الحرب الى حرب إقليمية لا يريدها قادة البيت الأبيض الآن.

إن عنوان حرب شارون المفتوحة اليوم هو الأجنحة العسكرية للفصائل وما يسميه البنية التحتية للإرهاب، وفي الجوهر فإن حربه مفتوحة على المشروع الوطني الفلسطيني بكل تجلياته وتعبيراته السياسية والمادية، وتركيزه على هذا الفصيل او ذاك في هذه المرحلة او تلك هدفه خدمة مشروعه سياسيا وإعلاميا، ويخطئ كل الخطـأ من يعتقد غير ذلك، هذا ما تقوله وقائع السياسة والممارسة الإسرائيليتين محليا وإقليمياً ودولياً.

ولمواجهة مشروع شارون السياسي الأمني ويجب حماية المشروع الوطني التحرري الفلسطيني إذ تتطلب إدراك ذلك فلسطينيا والتصرف استنادا لهذا الإدراك سياسياً.

ولا يفيدنا كثيرا او قليلا انفراد أي فصيل بعمل عسكري برغم انه ضد العدو المحتل، لكنه يعرض كل الوضع الفلسطيني للخطر ويعطي الذريعة لشارون لممارسة بطشه، ويسمح بتوجيه الانتقادات الدولية للشعب الفلسطيني، وقواه بدلا من توجيهها للاحتلال، فالعمل المفيد والمطلوب هو من يصب في خدمة استراتيجية العمل السياسية، ولا يفيد كذلك إدانة هذا المسؤول في السلطة لهذا العمل.

أن كل هذا وغيره يضعف الوضع الفلسطيني برمته ويضعف فصائله وقواه منفردة ويكشفه أمام الاحتلال وبطشه، ولا يصب بالتالي في خدمة المشروع الوطني الفلسطيني او في خدمة معاركه بالداخل او الخارج، والانتصار للمشروع الوطني الفلسطيني والمصالح الوطنية الفلسطينية العليا ووضعهما فوق كل مصلحة فئوية او شخصية ومجابهة مشروع شارون، مشروع الاحتلال الإسرائيلي.

يتطلب اليوم وليس غدا استراتيجية سياسية وكفاحية فلسطينية واحدة، يلتزم بموجبها الجميع، وقيادة وطنية موحدة، وأداء سياسياً وكفاحياً موجها لخدمة هذه الاستراتيجية، وبدون ذلك فإننا نسهل على شارون وائتلافه الأمر ونساهم بدون ان ندري او من موقع اعتقاد كل منا بأنه يمتلك لوحده الحقيقة وعلى الآخرين الالتحاق به، بإضعاف صمود الشعب وتبديد منجازته وتضحياته، وإعاقة تقدمه نحو تحقيق أهدافه بالحرية والاستقلال والعودة. فهل بيننا من يرغب بهذا.