إشكالية المثقف ودوره وأزمته ومكانته في المجتمع تبقى من الإشكاليات المهمة والرئيسية المطروحة على الساحة الفكرية والثقافية والسياسية في الوطن العربي.
هل من مكانة للمثقف في مجتمع يفتقد لمستلزمات التفكير والتعبير عن الرأي والحوار والمناقشة والحريات الفردية وحرية الصحافة وما إلى ذلك من مستلزمات وضرورات وشروط الإنتاج الفكري الناضج الذي يستطيع أن ينظر ويؤسس للتطورات والتحولات المهمة والمصيرية في المجتمع؟
التجارب التاريخية في وطننا العربي تشير إلى مرض الاغتراب والتهميش والإقصاء الذي عانى وما زال يعاني منهم المثقف العربي عبر الأجيال والعصور، ففقدان الحرية والديمقراطية وانتهاك حقوق الإنسان كلها عوامل أدّت إلى اغتراب المثقف العربي وتهميشه
سواء داخل وطنه حيث أصبح من الغرباء فيه لا يتعرف عليه ولا يتفاعل معه كما ينبغي لأنه إذا فعل ذلك مصيره يكون مجهولاً، أوأننا نجده يلجأ إلى الهجرة طلبا للحرية ولمتنفس يجد فيه مجالاً للتفكير والإبداع، لكن تبقى الغربة والعيش خارج المحيط الطبيعي للمثقف بمثابة الموت البطيء.
والمثقف مهما كانت الصعاب والمشاق والمشكلات والعراقيل يبقى دائما مسؤولا إزاء مجتمعه لتحقيق الأهداف النبيلة التي يناضل من أجلها وهي العدالة والمساواة والحرية والقيم الإنسانية النبيلة ومن أهمها توفير الظروف المناسبة للفكر والإبداع.
إشكال أخر مهم جدا ضمن سياق ظاهرة اغتراب المثقف يتمثل في النقد الذاتي وممارسة الانسلاخ الإرادي والمباشر من المجتمع والعيش في ضفافه وقشوره، وهذا موت بطيء أخر يعاني منه المثقف العربي وهونوع من الانتحار حيث لا يستطيع المثقف أن يجرؤ على التعبير عما بداخله
ولا يستطيع أن يضع أفكاره في خدمة المجتمع وفي خدمة المهمشين والمحرومين. فالإشكال هنا يتمثل في التقرب من السلطة وهذا يعني بعبارة أخرى الإنسلاخ من الجماهير، أوالتقرب من الواقع ومن الجماهير وهذا يعني غضب السلطة على المثقف واسكاته أوتهميشه بطرق مختلفة البعض منها معلن والبعض الأخر سري وضمني.
وفي كل هذا نجد أن المجتمع في نهاية المطاف هوالخاسر الكبير لأن المجتمع الذي لا يحتوي على نخبة من المثقفين العضويين ونخبة من المفكرين تنظر وتنتقد وتقف عند سلبياته وهمومه ومشكلاته وتناقضاته وإفرازاته المختلفة لا يستطيع أن يكون مجتمعاً يتوفر على شروط النجاح والإبداع والتحاور والنقاش البناء والجاد بين مختلف الفعاليات والشرائح الاجتماعية.
وآليات الاتصال هنا داخل المجتمع مهمة جدا، فكلما كانت مرنة وسهلة ويسيرة كلما نجم عنها التفاهم والوئام والوصول إلى الأفكار النيّرة. لكن كلما تعقدت آليات الاتصال والتواصل في المجتمع وكلما أصبحت عسيرة ومفتعلة ومتملقة ومنافقة كلما زادت مشكلات المجتمع وتفاقمت وكلما زاد سوء الفهم وانعدم التفاهم والحوار واحترام الآخر.
ما هو دور المثقف في المجتمع؟ وما هي علاقته بالسلطة؟ أسئلة تفرض نفسها في وطننا العربي وخاصة في الأزمات المتعاقبة والعويصة. في البداية نتساءل عن مكانة المثقف في المجتمع وعن وضعيته وعن الدور الموّكل إليه.
ولماذا في وطننا العربي نتكلم دائما عن أزمة المثقف؟ لماذا مثلا لا نتكلم عن المثقف العضوي في المجتمع، المثقف الذي ينتقد ويقف على هموم وشجون المجتمع، المثقف الذي يعمل على تغيير الواقع وليس تكريسه، المثقف الذي يساهم في صناعة الفكر والرأي العام، المثقف الذي يحضر مجتمعه شعبا وقيادة لمواكبة التطور الإنساني والحضاري والتفاعل الإيجابي مع ما يحدث في العالم.
في البداية يجب الإشارة إلى ضرورة النظر إلى المثقف كجزء فرعي من نظام كلي وهوالمجتمع، ونتساءل هنا هل المثقف ينتج المجتمع أم أنه جزء من المجتمع. فالمثقف عادة ما يكون مرتبطاً بواقعه وبمجتمعه يتفاعل معه، يؤثر ويتأثر به.
لكن الإشكالية التي تطرح هنا تتمثل في ماهية وطبيعة العلاقات التي يقيمها المثقف مع الجهات المختلفة الفاعلة في المجتمع. وهنا نقف عند علاقة المثقف بالسلطة، هل هي علاقة تملق وذوبان في هذه السلطة أم أنها علاقة احترام متبادل وبذلك إمكانية التأثير وإبداء الرأي والاختلاف وصولا إلى علاقة التضاد.
ما هي إذا علاقة المثقف العربي ببيئته؟ أي علاقة المثقف بالسلطة وعلاقة المثقف بالجمهور وعلاقة المثقف بالقضايا اليومية للمجتمع وعلاقة المثقف بالقضايا الطارئة. ففيما يتعلق بعلاقة المثقف بالسلطة بقيت الأمور على حالها رغم المطالبة بتجسير الفجوة الموجودة بينهم،
والمحاولات القليلة التي سجلت كانت مع الأسف الشديد من قبل المثقفين إزاء السلطة ومن جهة واحدة الأمر الذي يدعو إلى التشاؤم والتحسر على واقع سلبي للغاية في عصر العولمة والثورة المعلوماتية.فالمثقف في هذه الظروف يبقى أسير نفسه يعمل ليل نهار على إرضاء السلطة والتنظير لها وتبرير كل أعمالها سواء كانت صائبة أوخاطئة.
هذه النوعية من المثقفين تسمى بأشباه المثقفين وإذا انتشرت في المجتمع فإنها تنشر ثقافة الاستسلام والرضوخ وثقافة التملق والنفاق والقضاء على بذور الديمقراطية من أساسها لأن الديمقراطية تقوم على المعارضة والاختلاف في الرأي ولا معارضة ولا رأي بدون فكر ولا استقلالية في التفكير بدون حرية وبدون مبادئ.
أما عن علاقة المثقف بالجمهور فالمعادلة هنا واضحة جدا فكلما اقترب المثقف من السلطة كلما ابتعد عن هموم ومشكلات ومطالب الجماهير، وكلما صبّ جل اهتمامه على إرضاء السلطة وتبرير أعمالها وأفعالها وكلما أصبح همّه ذاتيا كلما انسلخ نهائيا عن واقعه الحقيقي وعن دوره الاستراتيجي في المجتمع.
ومن هنا نلاحظ أن القضايا الرئيسة والمهمة والقضايا الحية الأساسية تكاد تنعدم في أجنده المثقفين العرب وما يطرح ويناقش لا يرقى إلى مستوى الطرح الجريء والموضوعي والناقد.
وأخطر ظاهرة نعيشها في أيامنا هذه وفي فضائياتنا العربية والتي أصبحت تدعي الكمال والحرية والطرح الشجاع هو ظهور أشباه المثقفين لمناقشة مواضيع مهمة وحساسة بطريقتهم الخاصة، طريقة التبسيط والتسطيح وفي بعض الأحيان الخدش والشتم والتشهير.
أما عن علاقة المثقف العربي بالأحداث الآنية وأحداث الساعة فنجد التباطؤ أحيانا والسكوت أحيانا أخرى أوانتظار الإشارة الخضراء من السلطة للتعبير عن وجهة النظر أوالرأي. وما نلاحظه أحيانا أخرى أن هذا المثقف يختفي تماما إذا تعلق الأمر ببلده أوسلطانه ويبرز عضلاته إذا تعلق الأمر بدولة عربية ليست بدولته رغم أن هذه الدولة العربية التي يوجه لها الانتقادات ويقدم الدروس والوصفات السحرية تكون في معظم الأحيان أحسن بكثير من الدولة التي ينتمي إليها وينّظر لها.
أين نحن إذن من تحديات الألفية الثالثة ومن القضايا المصيرية التي تواجه الوطن العربي وحالة المثقفين في هذا الوطن الكبير، سواء المهاجر منهم أوالمغترب أوالمستأجر أوالمهّمش أوالذي أقصته القوى الخفية ومسحته من خريطة المجتمع حالة لا تستطيع أن تؤهل المثقف مهما كانت فصيلته من القيام بذلك الدور الريادي في المجتمع،
ذلك الدور الذي حدده نعوم »تشومسكي« في إشهار الحق في وجه السلطة، والذي حدده الفيلسوف الإيطالي »غرامشتي« في دور المثقف العضوي الذي يحمل هموم المحرومين والمهمشين والذي ينظر وينشر الوعي والفكر من أجل انتصار الغالبية العظمى في المجتمع.
مسؤولية المثقف العربي تزداد يوما بعد يوم في عصر لا يرحم وفي عصر زالت فيه الحدود والطرق الكلاسيكية في الرقابة، فعصر المعلومات فرض ويفرض نوعاً جريئاً من المثقفين يتمتع بالتفتح والحوار وبالنقد والنقد الذاتي وبالموضوعية والأمانة العلمية وبالجرأة في الطرح والتحليل والنقاش بعيدا عن المصالح الذاتية والحسابات الضيقة.
فمن حق الشعب العربي أن ينعم بمثقف عربي يكون في مستوى الطموحات والتحديات ويكون عند حسن ظن هذه الجماهير التي لا تنتظر سوى إتاحة الفرصة لمنافسة الشعوب المتطورة والمتقدمة في هذه المعمورة.
استاذ الإعلام ـ جامعة الشارقة