توجيه الاتهامات إلى لويس ليبي مدير مكتب نائب الرئيس الأميركي ديك تشيني سيطلق سلسلة تفاعلات في الولايات المتحدة الأميركية. قد تتوسع التحقيقات وتقود إلى استقالات ومحاكمات واعتقالات. قد يمكن حصر الأضرار إلا أنه من الواضح أن المقياس الذي ستقاس به الأمور هو درجة التوصّل إلى كشف تفاصيل حملة الأكاذيب التي سبقت غزو العراق ومهّدت له، وهي حملة لها أبطالها، ومؤسساتها، وصحافيوها وآليتها.
في انتظار ذلك تكشف الصحافة في روما عن بعد ايطالي لهذه الفضيحة تتداخل فيه الاستخبارات بالإعلام، بالموقف السياسي باللصوصية. تستحق قصة البعد الايطالي أن تروى بما فيها من دروس حول إمكانية فبركة كذبة على صعيد عالمي، كذبة لم يعد أحد يشك في »صحتها« طالما أن لا أسلحة دمار شامل في العراق قادت إلى حرب واحتلال وقتل وهي ماضية في تهديد مصير بلد ومنطقة بعد أن أحدثت زلزالا في العلاقات الدولية.
تبدأ القصة في العام 1991 حين تعرّضت سفارة النيجر في روما إلى عملية سطو اختفت إثرها أوراق رسمية تحمل اسم الدولة وتستخدم في المراسلات. لم يكترث أحد في حينه. ولكن، بعد عشر سنوات عادت هذه الأوراق إلى الظهور في صيغة أخرى.
رجل أعمال ايطالي، اسمه روكو مارتينو، يزاوج بين الصلة بالمافيا وبين الصلة بأجهزة الاستخبارات الغربية، يلتقي مسؤول السي.أي. ايه في روما عارضا عليه وثائق تثبت محاولة النظام العراقي، لا بل نجاح النظام عبر سفيره إلى الفاتيكان، في شراء 500 طن من اليورانيوم من النيجر. لم يكترث »الجاسوس« الأميركي للأمر واعتبر القصة ملفقة.
وحصل بعد ذلك أن توّجه رئيس الوزراء الايطالي سيلفيو بيرلوسكوني إلى واشنطن للقاء الرئيس جورج بوش في 15 أكتوبر 2001 أي بعد أسابيع على تفجيرات 11 سبتمبر.كان في صحبته رئيس الاستخبارات العسكرية الايطالية نيكولو بولاري المعين قبل ثلاثة أسابيع فقط.
كان الايطاليان مدفوعين برغبة أكيدة في التقرب من الإدارة الأميركية التي كانت تحظى ذلك الوقت بتعاطف دولي قلّ نظيره ومن المحتمل أنهما أثارا مع الجانب الأميركي قضية اليورانيوم من النيجر، إلا أن أحدا لم يتوقف عندها كثيرا. وكذلك لم يهتم البريطانيون بمعلومات قدّمها اليهم بولاري حول الموضوع نفسه.
عادت الرواية إلى البروز مجددا في فبراير 2002 عندما شرع نائب الرئيس الأميركي ديك تشيني في الاهتمام بها . بناء على هذا الاهتمام قررت السي.أي.ايه التأكد من الرواية من منابعها فقررت أيفاد الدبلوماسي السابق جوزف ويلسون إلى النيجر حيث له صداقات على أعلى المستويات.
ولكن ما الذي جعل تشيني يهتم بالأمر؟
سبق ذلك تطوران. الأول هو أن المحتال الايطالي مارتينو عرض وثائقه للبيع على مجلة بانوراما التي يملكها بيرلوسكوني، لكن الصحافية المعنية بالأمر اليزابيتا بوربا، وبناء على توجيه، ذهبت بما لديها إلى السفارة من دون المرور بالمسؤول الاستخباراتي الأميركي.
اما التطور الثاني فهو أن مايكل ليدين وهو من أقطاب »المحافظين الجدد« الأميركيين، وكان وقتها في روما، تولى تأمين الصلة بين مصادر المعلومات وبين صديقه في وزارة الدفاع دوغلاس فيث وهو الآخر من أركان هؤلاء »المحافظين الجدد«.
كان فيث قد أنشأ في البنتاغون جهازا سماه »مكتب الخطط الخاصة« وظيفة الجهاز الاطلاع على التقارير الاستخباراتية في حالتها الأولى، ومنع »المحترفين« من التدقيق فيها، وتحويل ملخصات عنها مباشرة إلى المستوى السياسي على قاعدة تجنب وصولها إلى كل من وزارة الخارجية والاستخبارات المركزية.
وبما أن فيث مثل ليدين، على صلة أيديولوجية وسياسية بلويس ليبي، مدير مكتب تشيني، فان هذه المعلومات حطت مباشرة في البيت الأبيض.في هذه الأثناء كان ويلسون عاد من النيجر مزوّدا برواية تلغي قصة اليورانيوم إلى العراق من أساسها.
وفد وقع ذلك في تقرير رفعه إلى كل من كولن باول وجورج تينيت. لم يعمم التقرير ولم يهتم به أحد. فالإدارة كانت غارقة حتى أذنيها في التحضير للحرب وفي اختراع الذرائع لاقناع الكونغرس والرأي العام. وأي ذريعة أقوى من أن صدام حسين يحث الخطى لامتلاك سلاح نووي يهدد به المدن الأميركية مباشرة أو بواسطة تنظيم »القاعدة«!
اعتمد البيت الأبيض الرواية إلى حد أن بوش شخصيا ذكر في خطابه عن »حال الاتحاد« أنه يملك معلومات مصدرها بريطاني عن سعي بغداد إلى الحصول على مكونات نووية من دولة أفريقية. وما قاله بوش عرضا مضى تشيني يكرره مرارا، واستمر في ذلك حتى بعد أن توقف رئيسه عن ذلك بناء على تدخّل الاستخبارات لديه.
استفز ويلسون من ترويج هذه الأكاذيب التي يدرك انها كذلك طالما أنه أثبت الأمر في تقرير رسمي. لذا لجأ إلى كتابة مقال في »النيويورك تايمز« مطلع يوليو يفنّد فيه قضية اليورانيوم من النيجر ويحذّر الجمهور من تصديق ما تروّج له الإدارة. وهنا كانت المفاجأة.
فبعد أسبوع على هذا المقال كتب روبرت نوفاك كاشفا عن أن فاليري بلايم هي زوجة جوزف ويلسون وأنها سعت لإرساله إلى النيجر لانها موظفة سرية في الاستخبارات المركزية وفي قسم مكافحة انتشار الأسلحة غير التقليدية. أي أنه، من أجل الانتقاص من كلام ويلسون أو من أجل الثأر منه، كشف عن هوية موظفة فيدرالية تعمل تحت ستار السرية في منصب حساس.
وهكذا اندلعت القصة التي عرفت محطة مهمة من تطورها في توجيه الاتهامات إلى ليبي في انتظار آخرين، لأن الأخير هو، على الأرجح، من سرّب الاسم إلى نوفاك وغيره.
ستشهد هذه القضية تطورات بلا شك، ولكنها في الأساس اختراع من نصّاب ايطالي لاقت صدى عند رئيس وزرائه ولاقت صدى عند أركان الإدارة الأميركية. ان القصة مرعبة بالفعل. فما بدأ عملية احتيال انتهى إلى مكوّن رئيسي في الحملة الإعلامية الممهدة لحرب مفتوحة على كل الاحتمالات الخطيرة.
كاتب لبناني