دأبنا في السنوات الأخيرة في كل عيد يحل علينا على المقارنة بين أيام نعيشها وأيام عاشها الآباء والأجداد، في أحاديث نتبادلها مع الأمهات والجدات. ونخرج في كل مرة بنتيجة واحدة وهي ان هناك اختلافا وتباينا واضحا بين أيام العيد التي عشناها وعاشها من قبلنا، وبين الأيام التي يعيشها أبناؤنا الآن ويشهدون فيها مظاهر للعيد لا يمكن مقارنتها بتلك المظاهر التي لم يبق منها إلا القليل.

ما زالت رائحة العيد في الماضي عالقة في أنوفنا، وما زلنا نذكر كيف كان الوالد والأبناء يلتفون حول الأم وهي تطوف عليهم بمبخرة العود، فينتقلون بعد ذلك إلى مائدة إفطار العيد التي كانت ملتقى الأسرة الأول قبل أي شيء. وبعدها يخرج الجميع لمعايدة الأرحام وصلتهم.

زمان كان الصغار يخرجون للعيدية في أيام العيد الثلاثة. يشعرون وهم يجمعون العيدية بالبهجة التي تدخلها إلى قلوبهم. ويظهر على وجوههم السرور بالثياب الجديدة التي يرتدونها. ويدخلون البيوت كأهل وأقارب فيتعلمون منذ صغرهم التواصل وصلة الأرحام وزيارة الجيران. وجوههم معروفة لدى أهل الحي، واستضافتهم كانت واجبا لإسعادهم كي يتناولوا الأطعمة والحلوى والفواكه التي لم يكونوا يرونها إلا في العيد. ثم يناولهم أهل البيت العيدية التي كانت بضعة فلسات قليلة لا تقارن بالمبالغ التي يحصدها أبناؤنا الآن في نهاية يوم العيد الأول والتي تتجاوز لدى البعض آلاف الدراهم.

أما الآن، فعيد أبنائنا ينتهي في اليوم الأول، ولم تعد فيه تلك المظاهر والطقوس، حيث كثرت مشاغل الناس، وكبرت الأحياء بساكنيها وصغرت بالمعارف فيها، وتباعدت منازل الناس والأهل عن بعضها البعض، ولم يعد لأبنائنا فرصة القيام بجولات العيد وجمع العيدية إلا من خلال الزيارات الرسمية القليلة التي يقوم بها الوالدان والتي أبعدتهم عن الطقوس الحقيقية للعيد التي كان يمارسها الصغار في أيام زمان.

وان فكر بعضهم في جمع العيدية (راجلين) من البيوت فعليهم الوقوف عند الباب وضرب الجرس الكهربائي وانتظار من يخرج إليهم ليعيدهم، هذا إن خرج إليهم أحد أو تعرّف إليهم. خسر أبناؤنا مباهج أخرى في العيد، بما فيها فرحة الملابس الجديدة والنقود، فهم يحصلون عليها طوال العام على خلاف أيام زمان التي كان الأطفال لا يعرفون فيها الملابس الجديدة ولا النقود إلا في العيد.

وخسر الأبناء والشباب مشهدا لم يعد الكثيرون يحرصون عليه، وهو مشهد صلاة العيد التي كان الجميع، رجالا ونساء، يحرصون على أدائها في جماعة من المسلمين يتجلى بينهم الحب والتواد، وأضحى البديل عن ذلك النوم حتى ساعات متأخرة من النهار بعد أن أنفقوا ساعات ليلهم في تجوال الأسواق والشوارع.

مظاهر العيد الجميلة التي كان يسعد بها الأطفال والكبار أيام زمان والتي افتقدناها، هي إحدى الضرائب التي ندفعها نتيجة تطور حياة مجتمعاتنا وانشغالنا وتباعد الناس وعدم تعارفهم وتقاربهم حتى وإن كانوا أبناء حي واحد. ولا نعرف كيف سيعيش الأبناء في السنوات المقبلة فرحة العيد، لكن ما نأمله أن يحرص الجميع على ان يبقى العيد كبيرا في نفوسنا ونفوس أطفالنا حتى لا نفقد بهجته وفرحة قدومه.

maysaghadeer@yahoo.com