ما أكثر القرارات التي صدرت عن مجلس الأمن والجمعية العمومية التابعين للأمم المتحدة حول القضية الفلسطينية منذ أكثر من نصف قرن ولم يطبق قرار واحد حتى الآن بسبب المواقف التي تتبناها واشنطن ولندن وباريس في أروقة وصالات الأمم المتحدة بحجة أن الحل الدائم للقضية الفلسطينية يجب أن يأتي من خلال المفاوضات السياسية والأمنية بين الفلسطينيين والإسرائيليين.
وبناء عليه فقد استعملت هذه العواصم وتحديداً واشنطن حق النقض »الفيتو« لمنع تمرير أي قرار دولي قد يحمل في طياته لغة الإدانة لإسرائيل التي ارتكبت عشرات المجازر بحق الشعب الفلسطيني الأعزل.
ولا نزال ننتظر أن تصل المفاوضات السياسية العقيمة أصلاً إلى نتيجة توفر للفلسطينيين الحد الأدنى من الحقوق الوطنية والسياسية في وطنهم الأصلي فلسطين.
وكم تمنينا مراراً وتكراراً أن تلجأ الدول الغنية الصناعية المتحضرة المتقدمة الديمقراطية الإنسانية المرهفة لحقوق الحيوان قبل الإنسان في الأمم المتحدة إلى قرار يطالب بتطبيق القرارات الدولية الصادرة عن هذه المنظمة الدولية من قبل أطراف الصراع العربي ـــ الإسرائيلي جميعها.
ولا سيما الدولة العبرية التي لا تزال ترفض الاعتراف حتى الآن بأبجدية هذا الصراع المرير ألا وهي الاعتراف بأنها دولة تحتل أرض الآخرين.ويقف المجتمع الدولي رافضاً أن تعاقب هذه الدولة تارة لأنها دولة ديمقراطية وتارة أخرى لأنها دولة متحضرة تشاطر العالم الغربي قيمه وتقاليده في محيط يوصف بالتخلف والهمجية والوحشية والديكتاتورية.
في سياق هذا العالم المتحضر والمتعولم بعولمة مزدوجة المعايير تقبل مجازر جنين وغزة وطولكرم ونابلس والفلوجة وبغداد والشيشان وغيرها من الجغرافيات المتخلفة وغير المتحضرة ويمر مجلس الأمن والهيئات الدولية مرور الكرام وكأن شيئاً لم يكن .
ولم يقع جراء هذه المجازر ضحايا وقتلى ومعاناة وتدمير وقتل الإرادات وسحق المستقبل البعيد قبل القريب. وهذا كله يجري تحت راية الحريات والديمقراطيات والعدالة وبناء المستقبل والتخلص من طواغيت هذه الدول وشعوبها المضطهدة.
وللأسف شاهدنا مؤخراً مجلس الأمن الدولي يتبنى بالإجماع قراراً يحمل الرقم 1636 في جلسة طارئة عقدت على مستوى وزراء الخارجية يدعو سوريا إلى التعاون الكامل مع لجنة التحقيق الدولية في اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري.
وهذا القرار الذي تمت إجازته استناداً للفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة يجيز استخدام القوة لتنفيذه إذا لم تتعاون سوريا مع لجنة التحقيق الدولية. ويأتي هذا القرار ليذكرنا بالأمس القريب عندما تبنى ذات المجلس القرار 1441 الذي طالب العراق بالتعاون مع اللجنة الدولية للكشف عن أسلحة الدمار الشامل.
وكانت النتيجة في الشأن العراقي أنه بالرغم من اعتراف اللجان المختصة ورؤسائها بخلو العراق من أي وجود لأسلحة الدمار الشامل والتأكد أيضاً من عدم وجود أي صلات بين العراق وتنظيم القاعدة فقد تم احتلال العراق .
وتمزيقه وتدمير بناه التحتية وتمكن العديد من المنظمات الإرهابية من تأسيس قواعد لها داخل العراق، وكل هذا وذاك صاحبه فشل مرير لقوات الاحتلال التي لم تجد أي أثر لوجود أسلحة دمار شامل.
وسيناريو العراق بالأمس قد يطبق باتجاه سوريا لا سيما وأن العالم العربي يقف عاجزاً تماماً عن منع تكرار هكذا سيناريو سواء في سوريا أو غيرها من الدول العربية والمجتمع الدولي مشغول بمرض انفلونزا الطيور وجنون البقر وأسعار النفط وجني الأرباح وأصبح غير قادر على منع الظلم والاضطهاد الذي تمارسه بعض الدول في مجلس الأمن.
لقد اعتبرت واشنطن القرار 1636 دليلاً على انعزال سوريا، مخيرة إياها بين اتخاذ قرار استراتيجي بالعودة إلى الأسرة الدولية أو مواجهة عواقب خطيرة.
وقد حذرت وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس دمشق من أن »عدم التجاوب مع هذه المطالب سيؤدي إلى عواقب خطيرة من قبل المجموعة الدولية«. وقالت أيضاً:
»بقرارنا، نبين أن سوريا عزلت نفسها عن الأسرة الدولية عبر تصريحاتها المغلوطة، ودعمها للإرهاب، وتدخلها في شؤون جيرانها وسلوكها الذي يؤدي إلى زعزعة الاستقرار في الشرق الأوسط«.
أما وزير الخارجية الفرنسي فيليب دوست ـ بلازي فقد قال انه »على السلطات السورية الآن التعاون بشكل كامل مع اللجنة لإلقاء الضوء بالكامل في أسرع وقت ممكن على الهجوم الذي أودى بحياة رفيق الحريري«.
وأضاف أنه »على قادة سوريا أن يفهموا أن مجلس الأمن ومن خلاله المجموعة الدولية بأسرها لن يقبلوا مع ما هو أقل من التعاون الفوري والكامل وبأنهم سيحددون تبعات أي خلل من قبل السلطات السورية في الوفاء بالتزاماتهم«.
في حين حذر وزير الخارجية البريطاني جاك سترو دمشق من أن »صبر المجلس له حدود«، مشيراً إلى أن عدم التجاوب مع المتطلبات »سيؤدي إلى تحرك إضافي«، واعتبر أن القرار وجه »رسالة قوية جداً«.
إن الوصول إلى الحقيقة في جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري هو مطلب رسمي وشعبي في كل العالم العربي والعالم بأسره لما كان لهذا الرجل الفذ من مكانة في قلوب وعقول الناس ولهذا نتمنى أن نصل إلى الحقيقة الحقيقية بأسرع وقت ممكن.
ولكن إن ما يحصل حتى الآن هو استثمار سياسي ممنهج لجريمة سياسية بشعة في وقت سياسي وأمني صعب سواء في لبنان أو في أرجاء العالم العربي، فلا يمكن فصل ما يحدث في فلسطين والعراق وأفغانستان والحرب على الإرهاب عما حدث في لبنان منذ التمديد ومروراً بجريمة اغتيال الشهيد الحريري وانسحاب القوات السورية كاملة من لبنان وحتى صدور القرار 1636.
لقد تأثر العالم بأسره لمقتل الشهيد الحريري ولكن هذا يجب أن لا يعني أنه ليس هناك بعض الأطراف التي لا تهتم كثيراً برحيل الشهيد الحريري تريد أن تقول لسوريا أن الوقت حان لتقديم ما هو مطلوب منذ سنوات عديدة وتحديداً منذ الهجمات الإرهابية في سبتمبر 2001.
وبدء الاحتلال الأميركي في العراق. إن الأمر بكل وضوح وشفافية يتعلق بما ذكرته الوزيرة رايس من أن على دمشق اتخاذ قرارات استراتيجية في هذه المرحلة حتى لا تواجه »عواقب خطيرة«.
أي أن على سوريا أن تقرر بشكل واضح موقفها من الاحتلال الأميركي للعراق وفصائل المقاومة الفلسطينية والشأن اللبناني إذا ما أرادت أن تتخلص من كابوس »العواقب الخطيرة« التي يمكن التنبؤ بها إذا قرأنا التاريخ جيداً وفهمنا السياقات المحلية والإقليمية والدولية.
بالتأكيد إن سوريا مقبلة على تحديات صعبة تتطلب منها اتخاذ قرارات استراتيجية لا تمس الوضع الداخلي السوري فقط بل الوضع الإقليمي برمته.
وفي هذه المرحلة الانتقالية المهمة يجب على دمشق أن تكون جادة أكثر من أي طرف آخر بما فيه الطرف اللبناني للوصول إلى الحقيقة في مسألة اغتيال الشهيد الحريري.
وأن تشرك أكبر عدد من الدول العربية بهذا الخصوص مثل تشكيل لجنة تحقيق عربية تابعة للجامعة العربية لمنع أطراف عديدة من استغلال الفضفاضية الواسعة في القرار 1636 .
لا سيما فيما يتعلق بتفسير كيفية التعاون مع المجتمع الدولي ولا يترك الأمر لدولة أو أكثر في مجلس الأمن تقرر مستقبل العقوبات ضد سوريا طبقاً لأهداف محددة غير معلنة على حساب الهدف الأساسي من القرار وهو كشف الحقيقة ولا شيء إلا الحقيقة.
كاتب وباحث سياسي
isam997@hotmail.com