تمر العلاقات الخليجية ـــ الأوروبية بمنعطف مهم مع قرب الانتهاء من مفاوضات توقيع اتفاقية منطقة التجارة الحرة بين المجموعتين.فمع اجتياز المفاوضات الأخيرة في أبوظبي لبعض القضايا العالقة المتصلة مباشرة بإنشاء منطقة التجارة الحرة، مثل إلغاء الازدواج السعري للغاز وتحرير تجارة الألمنيوم والبتروكيماويات.

واستبعاد شرط تطبيق المعايير الدولية لحقوق الإنسان، والذي يعني زيادة فرص توقيع الاتفاقية مع نهاية هذا العام، فإن الفرصة متاحة لإعادة تقييم العلاقات الخليجية الأوروبية لوضعها في ظل إطار شراكة استراتيجية أوسع تشمل جوانب سياسية وأمنية، علاوة على الجانب الاقتصادي، ليكون لها انعكاسات إيجابية على استقرار منطقة الخليج، وعلاقة أوروبا بالمنطقة العربية بأشملها.

بلا شك أن المتابع لطبيعة العلاقات الخليجية ـــ الأوروبية يكتشف عمق جذورها. فتاريخياً تعود تلك العلاقات إلى مطلع القرن السادس عشر حين اكتشف البرتغاليون والهولنديون ثم البريطانيون والفرنسيون حاجتهم لمنطقة الخليج كممر استراتيجي للهند وجنوب شرقي آسيا.

ثم في الحاضر القريب أدرك الأوروبيون أهمية الخليج العربي كمصدر للطاقة على إثر أزمة النفط العالمية في عام 1973. ورغم أن دوافع بداية الحوار العربي ـــ الأوروبي في السبعينات تعود إلى بحث الأوروبيين عن ضمانات لاستمرار حاجتهم من الإمدادات النفطية.

فإن تراجع أسعار النفط في الثمانينات والتسعينات قلّل من الاهتمام الأوروبي بمنطقة الخليج العربي. ولكن مجمل التحولات الدولية والإقليمية فرضت إعادة ترتيب الأولوليات لتقوية فرص احتمالات تعزيز علاقات لتقارب بين الأوروبيين والخليجيين لتحقيق مصالحهما الاقتصادية والسياسية.

وفي تصورنا أن أهم التحولات الدولية التي تدفع بالتقارب بين الأوروبيين والخليجيين هي نهاية الحرب الباردة واتجاه الولايات المتحدة للسيطرة على العالم بنزعة عسكرية تقوم على استراتيجية الضربة الاستباقية.

فهذه الاستراتيجية، والتي ثبت فشلها في العراق، لم تقد إلا إلى مزيد من التوتر الدولي والإقليمي، خاصة في منطقة الخليج العربي، فسقوط صدام حسين واحتلال العراق لم يؤد لنشر الديمقراطية.

ولم يجعل العالم أكثر أماناً، بل على العكس فإن سياسة الولايات المتحدة الأميركية المتشددة في منطقة الخليج والشرق والأوسط، على الأقل في الحاضر والمستقبل المنظور، زادت من إشعال لهيب القوى المتطرفة في المنطقة.

وحول العراق بعد أفغانستان إلى مستنقع لتجمع القوى الإرهابية المعادية للغرب عموماً، والولايات المتحدة الأميركية على وجه التحديد. وأصبح العداء للغرب شعاراً لتأجيج العامة في الشارع السياسي العربي والإسلامي، على نحو لا يخدم الاستقرار في المنطقة لا حاضراً ولا مستقبلاً.

ولهذا كله أدرك معظم الأوروبيين والخليجيين أن سياسة الولايات المتحدة في المنطقة والهادفة لتغيير الأوضاع القائمة بالقوة، مستغلة أحداث 11 سبتمبر وشعارات الحرب على الإرهاب.

قد تقود في النهاية إلى خلط الأوراق وإدخال المنطقة في مشروع غير مضمون النتائج، سواء على مستوى تحقيق الديمقراطية والإصلاح السياسي في المنطقة العربية، أو على مستوى تحقيق السلام وإنهاء الصراع العربي ـــ الإسرائيلي، أو على مستوى محاربة الإرهاب.

ومن هذا المنطلق الاستراتيجي، نعتقد أن التقارب الأوروبي ـــ الخليجي أمر ضروري في المرحلة الراهنة والمستقبلية، وذلك لفتح حوار بين المجموعتين الخليجية والأوروبية للتعاون والتشاور حول الآليات لكبح جماح التشدد في السياسة الخارجية الأميركية.

وأهمية عقلنة تلك السياسة في بعض جوانبها المؤثرة على استقرار المنطقة، علاوة على أهمية أن تقوم كل من المجموعتين (الخليجية والأوروبية) بفتح حوار معمق مع الولايات المتحدة لشرح طبيعة قضايا المنطقة الشائكة والمعقدة، والتي لا يمكن التعامل معها بقرارات فوقية تعتمد على أحدث آلات الفتك العسكري.

فإفراط الولايات المتحدة الأميركية في استخدام القوة العسكرية في المنطقة يحرج أصدقاءها من الدول العربية والإسلامية والأوروبية. كما أن استخدام بعض الجماعات المتطرفة للإرهاب لا يمكن أن يكون مبرراً لربط الإسلام بالإرهاب، ولا شك أن الأوروبيين يعلمون عمق الجوانب الحضارية في الإسلام منذ العصور الوسطى.

وكيف كانت الحضارة الإسلامية مشعل نور في عصور الظلام، ولهذا كله على الأوروبيين والخليجيين مسؤولية سياسية في مصالحة الولايات المتحدة، وأن سياستها العسكرية في المنطقة، والتي يوجهها الجناح اليميني في الإدارة الأميركية لن تقود إلا للحصاد المر.

وعلى وجه التحديد تقوية التطرف والإرهاب وزعزعة استقرار المنطقة، ذلك أن القوى المتطرفة في المنطقة لا ترى في الولايات المتحدة إلا سياسة الاحتلال والعدوان في العراق وقبلها في أفغانستان، وربما مستقبلاً في سوريا أو إيران.

وأيضاً على نفس المستوى السياسي والاستراتيجي للمنطقة من المهم أن يشمل التقارب الخليجي ــ الأوروبي إعادة تنشيط دورهما وفعاليتهما لحل القضية الفلسطينية. إذ يبدو أن فتح ملف الإرهاب والحرب على العراق جمدا جزئياً المسار الفلسطيني، والذي يشهد احتقاناً بسبب سياسات شارون العدوانية، والمدفوعة بسياسة التغاضي الأميركية.

خاصة بعد الانسحاب من غزة وبالتالي فإن الأوضاع المأساوية في فلسطين تغذي نزعات العنف وروح الكراهية للولايات المتحدة والمتهمة بالتحيز ضد الفلسطينيين. من هنا تصبح الحاجة ماسة لإعادة الروح للمبادرات الأوروبية لتنشيط دورها في حل القضية الفلسطينية، خاصة مع زيادة الدعم الخليجي والمصري لها.

أخيراً وفي نفس السياق الاستراتيجي من الضروري أن يدفع التقارب الأوروبي الخليجي في لعب دور إيجابي لإنهاء الملف النووي الإيراني، فثقة الإيرانيين بالمجموعة الأوروبية أكبر منها في الولايات المتحدة. ولذا فإن تشجيع الطرفين الإيراني والأميركي على أهمية اللجوء للحل السياسي للملف النووي الإيراني، قد يسهم في تقليل التوتر في المنطقة.

وبالتالي فإن مبادرة خليجية أوروبية مشتركة في هذا الملف، قد تدفع لنزع فتيل التوتر والتهديد الذي تقوده القوى المتشددة في إيران والولايات المتحدة.

ختاماً إن نجاح كل من الاتحاد الأوروبي ومجلس التعاون الخليجي قد تجاوز العقبات الأخيرة لتوقيع اتفاقية منطقة التجارة الحرة بين المجموعتين، قد تكون بوابة لتعاون استراتيجي وسياسي أوسع.

إذ أدرك الطرفان أهمية العمل سوياً ووفقاً لشراكة استراتيجية تعمل على تقليل التوتر في المنطقة وترشيد الاستراتيجية الأميركية المتشددة والتي قد تقود المنطقة واستقرارها إلى الهاوية.

كاتب سعودي