أعتقد جازماً أن هناك أمة عربية، إلا أن الواقع يقول بأنها لم تكن يوماً ضمن دولة واحدة، أي بخلاف ما تقول به شعارات حزب البعث في ثوبه العراقي السابق أو السوري الحالي، ولربما القوى العربية الأخرى المختلفة.

ويستحضر العرب التاريخ ولربما بعض الحاضر لتأكيد النخوة العربية التي تمثلت في أروع صورها في استغاثة تلك المرأة بالمعتصم العباسي، وبات قولها المشهور »وامعتصماه« دليل تلك الوحدة العاطفية العربية بين مشرقه ومغربه وغنيه وفقيره.

ولكن يبقى السؤال حول ما إذا كانت هذه العاطفة أو العصبية العربية كافية لأن ينتصر العرب لبعضهم بعضاً، وفي أي حال يكون ذلك. وأعتقد أن هذه العاطفة العربية الجامعة التي تجمع بين الشعوب العربية لم تقارب يوما الوحدة السياسية على الواقع، رغم جموحنا العاطفي نحوها وتعلقنا بها.

وأعتقد أن مسألة الوحدة العربية لم تكن في يوم من الأيام أكثر من انفعالات جياشة سرعان ما تتحطم على واقع جيو ــــ سياسي جديد قائم على توجهات قطرية ومغرقة في القطرية.

بل قائم على ارتباط مصالحي وحضور قوي للقوى العالمية الكبرى في المنطقة، بل على واقع سياسي جديد تمثل الدولة القطرية أحد مرتكزاته. وبتصوري فإن هذه المشاعر الجياشة ولأسباب شتى بعضها داخلي والآخر خارجي كان الزمن كفيلاً بقتلها فينا.

أو أن هذه المشاعر والانفعالات لم تصل بالشارع العربي يوما إلى تحقيق أهدافها لأنها لم تكن يوماً فعلاً مؤسساتياً، بل كانت في جلها أعمالاً وتوجهات انفعالية ليس لها صفة الديمومة والبقاء.

وإذا ما كانت معظم الشعوب العربية قد عارضت الحرب الأميركية ـــ البريطانية لإسقاط نظام صدام، إلا أن الدول العربية أو بعضاً منها قد انتابتها حالة شعورية داخلية أو علنية نسبية بأن هماً قد أزيح عن طريقها.

وأن انفراجاً قريباً للحالة العراقية، رغم تلكؤاتها التي قد تمثل في بعض جوانبها المتمثل في النزع الأخير للحالة القديمة الراحلة. ومع ذلك فإن الحالة العربية بشقيها الرسمي والأهلي كانت تفتقر للمؤسسية والديمومة والقوة.

بل قد أذهب إلى أبعد من ذلك وأقول إن معارضة الشعوب الغربية والأميركية للحرب على العراق كانت أكثر فاعلية وقوة واتسمت بالديمومة والمؤسساتية، في حين أنها كانت في الحالة العربية فعلا انفعاليا غير موجه أو محدد الأهداف والمرامي.

بدليل أن اللجان والهيئات الغربية التي أسست لهذا الغرض في الغرب ما زالت فاعلة ومؤثرة إلى حد بعيد، ولربما يبقى النموذج البريطاني والأميركي في ذلك أبرزها.

وغابت عن الحالة العربية حتى محاولات خجولة لإصلاح ذات البين العراقي، بل إن التدخلات العربية ولربما تدخلات دول الجوار العربية لم تكن تخلو من محاولات زيادة أتون دمار مستعر، بات يشكل الحالة العراقية الجديدة، أقرب إلى حالة تدمير الذات أو إخراج دموي لمركب جديد للقوة بات يتشكل.

وبعد مرور عامين وبعض العام على إسقاط نظام صدام حسين، فإن المواقف العربية، شعوبا وحكومات، لم تبارح مكانها، بل إنها قد تفرقت شعوبا وقبائل، ففي حين تقف بعض الفضائيات العربية، المنبثة من المنطقة العربية وخارجها، مؤججة للصمود الطائفي وداعمة لأعمال القتل والتدمير والإرهاب الذي جاء بعضه تحت مسوغ »المقاومة«، اتسم الموقف الرسمي العربي في بعضه أو جله.

كعادته بقدر ليس بقليل من الازدواجية والمواربة ولربما اللامبالاة، تتنازعة في ذلك مواقف ما قبل حضارية وغير مؤسسية. مواقف تفتقر لأي وعي بالتاريخ و إدراك بالحالة السياسية الدولية المعاصرة، مواقف ما زالت تتحكم فيها المقولات الانفعالية العربية الكبرى.

إن المواقف الرسمية العربية، ولربما المواقف الأهلية العربية، قد ساهمت في تعقيد الحالة العراقية المأزومة.

إذ بدت حرب الطوائف العراقية تتم بالإنابة عن أولئك المستفيدين من تعقدها سواء أكان ذلك من قبل بعض جماعات الداخل العراقي أو بعض دول الجوار العربية وتحديدا بعض دوله المحورية.

بالإضافة بالطبع، للدور الإيراني في الداخل العراقي الذي بات يوظف للضغط على بريطانيا ولربما الولايات المتحدة الأميركية كلما لاحت في الأفق قضية أخذ الملف النووي الإيراني لمجلس الأمن.

وأعتقد أن استمرار حالة عدم الاستقرار والفلتان الأمني في العراق قد يخدم بعض أطراف الداخل العراقي وتحديداً فلول وبقايا النظام البعثي السابق وبعض القوى الإسلامية المتطرفة والتكفيرية، التي قد لا ترى في العملية السياسية القائمة إلا تهميشاً لها، وبالتالي فإن استمرار الحالة الأمنية غير المستقرة معضدة لأهدافها على المدى المتوسط ولربما البعيد.

وبالطبع، تبقى تأثيرات ومصاحبات استمرار هذه الحالة غير المستقرة على هيكل الدولة ونسيج المجتمع في الداخل العراقي في غاية الخطورة إن لم تكن هي فارزة لحالة كارثية ستطول بتأثيراتها دول الجوار على المدى البعيد.

وإنها لحالة، كما يبدو، ستأتي على ما تبقى من النسيج الاجتماعي العراقي الذي دمر بفعل الحروب العبثية للنظام الصدامي السابق وكذا بفعل حصار استمر قرابة عقد ونيف العقد.وكل خشيتي هي أن استمرار الوضع القائم قد يقود إلى حالة مشابهة إن لم تكن حالة أكثر تعقيداً ودموية من النموذج الصومالي.

وقد تكسب بعض دول الجوار العربية وإيران بعض المنافع على المدى القصير ولربما المتوسط من وضع سياسي غير مستقر ومضطرب ومتشرذم في الإقليم العراقي، إلا أن تأثيرات ذلك عليها، أي على دول الجوار، على المدى البعيد ستكون دون شك خطيرة إن لم تكن مدمرة.

ويبقى المأزق السياسي العربي الدائم هو في أن تتحول السياسات التكتيكية قصيرة المدى في الداخل والخارج عند الدولة العربية إلى سياسات استراتيجية لا تكسب منها إلا المآزق والمشكلات التي بات بعضها مستعصياً على الحل أو أن حلها لا يأتي إلا بانهيارات هيكلية عميقة وخطيرة في عمق المجتمع العربي ونسيجه الاجتماعي.

كاتب بحريني