كثيرا ما يتردد أن روسيا والولايات المتحدة على أعتاب حرب باردة جديدة، أو أن العالم يشهد استئناف الحرب الباردة بين موسكو وواشنطن.

إلا أن الواقع يشير إلى عدم وجود أسباب للمواجهة بين روسيا والغرب، إذ أن التحديات المعاصرة التي يتعرض لها المجتمع الدولي تلعب دورا في توحيد روسيا والولايات المتحدة، بدلا من التفريق بينهما، هذا ما يؤكده سيرجي لافروف وزير الخارجية في تصريحاته.

بينما يعتبر الجنرال ميخائيلوف قائد القوات الجوية الروسية أن الولايات المتحدة لم توقف الحرب الباردة للحظة واحدة، أما رئيس صندوق الاستثمار الأميركي(هيرميتاج منيجمانت) فقد نفى أوهاماً حول روسيا.

في الوقت نفسه الذي اعتبر فيه رئيس اتحاد الصناعيين والمنتجين الروس أن مستوى علاقات التعاون الاقتصادي بين واشنطن وموسكو متخلف بالمقارنة مع العلاقات السياسية المتطورة.

وقد طالب سيناتور ولاية نيويورك في الكونغرس الأميركي إدخال تاريخ روسيا في المناهج الدراسية، في الوقت الذي يثير فيه تنامي قدرات روسيا الاقتصادية والعسكرية حفيظة الولايات المتحدة.

ولعل هذا الاستعراض لتصريحات السياسيين الروس والأميركيين يكشف عن أنه من الصعب الوصول إلى إجابة واضحة حول السؤال المطروح عن الحرب الباردة بين البلدين.

ويصعب التعامل مع هذه المواقف على أنها الحقيقة المطلقة في المرحلة الراهنة. باعتبار أن الخصومة وعدم الثقة والشك وغيرها من المشاعر في العلاقات بين الأشخاص ــ الذين يمكن أن يصبحوا أصدقاء ـــ لابد وأن تلقى بظلالها على العلاقات بين الدول.

خاصة أن الحديث يدور عن قوتين عظمتين، كل منهما تؤثر بشكل مستقل على الأوضاع السياسية والاقتصادية والأمن في المجتمع الدولي. لابد وأن نتذكر أن مفهوم الحرب الباردة في المجالات السياسية والاقتصادية.

وفيما يخص سباق التسلح، كان يعبر عن منافسة وصراع بين النظام الاشتراكي الذي كان يضم الاتحاد السوفييتي ودول أوروبا الشرقية من جهة، وبين النظام الرأسمالي في الغرب والولايات المتحدة من جهة أخرى. وتجلى هذا الصراع في الصدامات العسكرية في عدد من البؤر الساخنة مثل أفغانستان وفيتنام.

ويرتبط إعلان الحرب الباردة بخطاب تشرشل في 5 مارس عام 1946، الذي رسم ملامح العلاقة بين الاتحاد السوفييتي والدول الغربية، عقب انتصارهم على الفاشية الألمانية في الحرب العالمية الثانية. حيث أدى الوضع الناشئ بعد الحرب لتوتر الصراع بين الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة على مختلف المحاور، بما فيها المحور النووي.

إلا أن انهيار الاتحاد السوفييتي دفن الحروب السوفييتية وسياسة القوة، ودفع الرئيس الأميركي السابق بوش(الأب) في ديسمبر عام 1991 إلى تهنئة الشعب الأميركي بانتهاء الحرب الباردة.

كما وقعت روسيا والولايات المتحدة في فبراير عام 1992 إعلاناً مشتركاً عن انتهاء الحرب الباردة، باعتبار أن الصراع بين القوتين اللتين كانتا تمثلان نظامين مختلفين قد حسم.

ولكن يجب الأخذ بعين الاعتبار أن الحرب الباردة لم يكن ظهورها لأول مرة عقب الحرب العالمية الثانية، وإنما تعود لمراحل تاريخية سابقة.

وإلا كيف يمكن أن نتعامل مع الصراعات الحادة بين روسيا السوفييتية والبلدان الغربية (فرنسا، انجلترا، ألمانيا، الولايات المتحدة) قبل الحرب العالمية الثانية، بل كيف نفسر الصدامات والصراعات بين روسيا القيصرية من جهة، وفرنسا وبريطانيا واليابان من جهة أخرى.

في بدايات القرن الماضي وأواخر القرن التاسع عشر، والتي فجرت حروباً محلية (روسية ـــ يابانية)و(روسية ـــ تركية)، ألا ينطبق مفهوم الحرب الباردة على هذه الصراعات وتركيبة العلاقات في تلك المراحل؟

لذلك قد يصح القول بأن الحرب الباردة بين روسيا والولايات المتحدة تعود من جديد، باعتبار أنها لم تتوقف أصلا، وإنما تغيرت تسميات أطرافها. لذا يصح الحديث عن تصعيد الحرب الباردة .

أو انخفاض حدتها، طالما لدى روسيا والغرب وبشكل خاص الولايات المتحدة تعارض في المصالح الجيوسياسية ومناطق النفوذ التي تمس المصالح القومية لأطراف هذه الحرب مثل الشرق الأوسط ووسط آسيا.

هذا الواقع يدفع للقول إن عنوان المقالة يجب أن يكون »روسيا ـــ الولايات المتحدة:استمرار للحرب الباردة، ام علاقات طبيعية بين القوتين العالميتين، اللتين يرتبط بهما مصير الأمن والنظام السياسي والاقتصادي على الكوكب« لأن علاقات هاتين القوتين بسلبياتها وايجابياتها تؤثر على حلفاء الجانبين.

ان روسيا والولايات المتحدة في العصر النووي الحالي، وفي مواجهة تهديدات الإرهاب الدولي محكوم عليهما بالتعايش السلمي، حتى لو كان هذا السلام هزيلاً، إلا أنه أفضل من حرب قوية.

وستستمر صراعاتهما أو حربهما الباردة بين تصعيد وهدنة، كما كان عليه الحال في السابق. وسيستمر سباق التسلح، لأن كل طرف مضطر لإثبات قدراته الدفاعية أمام الطرف الأخر، وأمام حلفائه في المجتمع الدولي.

محلل سياسي روسي ـــ خاص لـــ "البيان"