مرة أخرى يعود موضوع الهولوكست ـــ المحرقة ـــ إلى ساحة التداول الدولي. طبعاً العودة ليست جديدة، من حين إلى آخر تتكرر طلّته من الشرفات والمنابر الإعلامية أو الدبلوماسية، لأغراض باتت معروفة،.
وصارت عادة أن يجري استغلال أية مناسبة أو فرصة لاستحضار هذه الذكرى، خاصة توظيف المواقف أو الانتقادات لإسرائيل، من زاوية تصويرها بأنها ناجمة عن نظرة معادية للسامية!
لكن هذه المرة تعود سيرة المحرقة ليس من البوابة الإعلامية فقط، بل من باب »مأسسة« هذه الذكرى وتطويبها عن طريق الأمم المتحدة، التي صوّتت جمعيتها العمومية.
وللمرة الأولى في تاريخها، على قرار، أخذ اسم »إحياء ذكرى محرقة اليهود« وبات بموجبه يوم »27 يناير من كل سنة يوماً دولياً لإحياء ذكرى المحرقة النازية«. وشددت الجمعية في قرارها على »رفضها لأي إنكار جزئي أو كلي لوقوع المحرقة، كحدث تاريخي«.
ليس ذلك فحسب بل إنها طلبت من الأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان، وضع برنامج توعية من أجل اتخاذ التدابير اللازمة لتعبئة المجتمع المدني من أجل إحياء ذكرى محرقة اليهود وتعليمها بغية المساعدة في الحيلولة دون وقوع أفعال الإبادة الجماعية في المستقبل. وقيل إن 104 دول تبنّت تقديم مشروع القرار إلى التصويت.
إذا كانت الغاية هي التذكير بتلك اللطخة في تاريخ الإنسانية وتركها حية في النفوس والضمائر كي لا تتكرر؛ فهذا مطلوب ومرغوب. وإذا كان القصد من استمرارية حضور سيرتها هو التحذير من فداحة الكلفة التي لا بدّ وأن تترتب على من يرتكب فظائع بشعة وهمجية ضد الإنسانية.
فهذا أيضاً مطلوب ومشكور، لكن الحذر بل الارتياب يفرض نفسه عندما تحصر الأمم المتحدة اهتمامها بمأساة واحدة وتتجاهل مآسي أخرى لا تقل فظاعة؛ وكذلك عندما يصار إلى تكريس يوم محدد في السنة لإحيائها وفي هذه اللحظة بالذات.
المآسي والمجازر البشرية لا تحصى، ارتكبت في الماضي، ومنها ما هو متواصل حتى اللحظة؛ بل ومرشح للامتداد إلى المستقبل، وهي غير محصورة بعرق أو منطقة أو فئة. طاولت كل الساحات.
وبالتالي كان حرياً بالأمم المتحدة ألا تحصر القضية في الهولوكست فذلك ليس سوى تكريس للنظرة اليهودية ـــ الإسرائيلية التي ترفض مقارنة المحرقة مع أية مأساة إنسانية حصلت في التاريخ وهو حصر معروفة غاياته ونوايا تجييره وتحويله إلى دعم لإسرائيل.
وإذا كان ذلك يثير التحفظ والتشكيك فإن الإقدام على هذه الخطوة، التي لا بدّ وأنها جاءت كثمرة لعمل وتحرك الماكينة اليهودية ـــ الإسرائيلية، في الوقت الراهن يثير الكثير من علامات الاستفهام. فهل هي صدفة أن يصدر مثل هذا القرار في اللحظة التي تشن فيها إسرائيل حرباً مفتوحة على الشعب الفلسطيني لطرده من أرضه؟ بالتأكيد ليست صدفة.
لا ضير أن تبقى المآسي الإنسانية في الذاكرة، لكن أن تحظى المحرقة اليهودية بهذا الانفراد في وقت تتعرض فيه فلسطين لمجازر بالجملة والمفرق وتعاني فيه المنطقة من استباحة مفتوحة على فواجع.
فهو أبعد ما يكون عن المعاني الإنسانية وأقرب ما يكون إلى تسخير المنظمة الدولية لتكون مظلة تغطي على العدوانية الإسرائيلية التي تمارس محرقة مستمرة وشاملة ضد الشعب الفلسطيني.