يصادف اليوم ذكرى رحيل الوالد القائد الشيخ زايد بن سلطان ـ رحمه الله واسكنه فسيح جناته ـــ ذكرى تبعث الحزن على فراقه من جديد وكأنه لم يفارقنا، فهو وان غاب عن دنيانا إلا انه حاضر في قلوبنا وعقولنا وجوارحنا. كثيرون أولئك الذين رحلوا عن حياتنا وتركوا دنيانا، ومضوا دون أن يخلفوا أثرا يذكر، وكثيرون غيرهم يغادرون ويعودون من دون ان نشعر بهم.

لكن الشيخ زايد كان من أولئك الذين رحلوا والذين ستظل آثارهم مطبوعة في كل زاوية، وفي كل درب تخطوه أقدامنا، وفي كل اثر نعمة تصافحها أعيننا. ولن يكون الحزن على رحيله حصريا على شعب الإمارات، بل سيشمل أمماً أخرى تترحم عليه، ففضله وخيره وحكمه ومبادراته النيرة تجاوزت حدود أرضه وبلغت القاصي والداني.

قال المغفور له بإذن الله: »كانت أحلامي كثيرة وكنت أحلم بأرضنا تواكب حضارة العالم الحديث، ولكنني لم استطع أن افعل شيئا كبيرا ولم يكن بين يدي ما يحقق الأحلام ولكنني كنت واثقا أن الأحلام سوف تتحقق في أحد الأيام..

« كان حلما وكبر الحلم معه طوال تلك السنوات، وتحولت أجزاء كثيرة منه بإرادته وعزمه ورغبته إلى حقائق نعيشها وننعم في ظل خيرها. وستكون أحلامه التي وثق بأنها ستتحقق في أحد الأيام بوابة الانجازات التي سنكمل فيها المسيرة بعده، وسيظل حلمه بان تكون الإمارات مواكبة لحضارة العالم الحديث وقودا نستمد منه عزيمة وإصرارا، ورغبة اكبر في العمل من اجل المستقبل الذي حلم به والذي مهد له، وأصبحنا نرى علامات تدل على أننا أوشكنا على أن ندركه.

كانت تلك العبارات وغيرها من الأقوال التي تركها لنا سموه تلخيصا بسيطا ومكثفا لرحلة عمر قضاها شعبه بين مرحلتين، مرحلة لم تكن فيها الأدوات متاحة لتحقيق الحلم، ومرحلة نملك فيها كل الأدوات المادية والبشرية التي تستطيع تحقيق حلمه بأفعال تفوق الأفعال لتستمر الإمارات كما بدأت قوية شامخة تضع الهدف وترسم الخطوات إليه.

كانت مسيرة زايد طوال فترة حكمه مسيرة كتبت فيها قصص كفاح ونجاح، فقد كان ابن الصحراء معمرا وبانيا ويدا خضراء، فبنى دولة تخطى العمل فيها الزمن، وقهرت الإرادات كل مستحيل، واعدت العقول وبنت السواعد وحققت إنجازات لا تحتاج إلى كثير الكلام، إنجازات أبلغ من أي وصف، وأصدق من أي شاهد.

استطاع زايد الخير أن يحول الإمارات وفي غضون سنوات من حياة الجهل والفقر والمرض إلى حياة العلم والرفاهية والصحة، فأدهش الجميع بما حمله في تلك المسيرة من معاني البذل والعطاء والعمل والعزم الذي لا يلين. وكانت الثروة التي حبانا الله بها في هذه الدولة دافعا لتسخيرها لتضع لنا خطوات نتقدم بها على غيرنا، بل ونتفوق عليهم بقادة مثله، وضعوا مصلحة الوطن فوق أي مصلحة، وكانت أحلامهم كبيرة ونفوسهم عظيمة.

لا يسعنا في ذكرى رحيلك أيها الوالد الغائب الحاضر إلا أن نقول: القلم يعجز عن بث ما يشعر به من حنين إليك وشعور بافتقادك. ولكن دعوانا إلى الله بان تهدأ نفسك عند بارئها راضية مرضية بعد أن أرضت ربها ورعيتها.

maysaghadeer@yahoo.com