انتهت قبل أيام فعاليات مسابقة دبي للقرآن الكريم التي نجحت حقا في أن تجعل شهر رمضان المبارك مختلفا غنيا بفيض مشاعر الإيمان، تظلله سحائب الروحانية والمحبة والإحساس بسماحة الإسلام وأثره الذي لا حدود له في العالمين.

وكنا ونحن نتابع وسائل الإعلام وهي تنقل لنا أخبار المتسابقين صغارهم وكبارهم، وتأتي على ذكر شيء من سير حياتهم وحكاياتهم مع كتاب الله قراءة وحفظا وتدبرا.

نستشف أنّ وراء هذا الاجتماع الرسمي لقاءات كثيرة غير رسمية أخوية حميمة تعارف فيها الشباب وتناقشوا وتواصلوا، وزالت من نفوسهم وقلوبهم كل روابط الطين وبقيت وشيجة الإيمان.

وكنا على هامش هذا اللقاء العالمي الكبير نقرأ أخبار إسلام عدد من المقيمين في الدولة وننفعل بفرح غامر حين تذيل الصحف الخبر في كل مرة بقولها »وسط تكبير الحاضرين وتهليلهم«.

إنها حقا فرحة ليس كمثلها فرح، ولحظة يقف عندها الزمن يسجل فيها حقيقة الإسلام ودموع السعادة تنهمر من عيون كل من ينطق بأن لا إله إلا الله وأنّ محمدا رسول الله.

إنّ وراء كل شهادة حكاية تروي كيف أسلم هؤلاء ولماذا؟ ما الذي دفعهم إلى أنْ يتخذوا هذا القرار؟ وما الذي جعلهم يعيدون النظر في حياتهم ويتبصرون في أنفسهم ويرون أنّ الإسلام هو ملاذهم؟ لا شك أنّ الحكايات كثيرة مختلفة، فكل فرد من هؤلاء يحمل حكايته معه.

ولكنها تجمع على أن كل من يعتنق الإسلام ويختاره دينا تأثر بسماحة هذا الدين وما لمسه في المسلمين من حب ومودة وتكافل وتسامح، وتأثر أشد التأثر من مواقف تجلت فيها الإنسانية في أسمى صورها صافية مشعّة في تعامل المسلمين معهم.

والذي يلفت النظر أنّ معظم قصص هؤلاء كانت بسبب مواقف مروا بها مع أناس عاديين، فهم ليسوا من كبار الدعاة ولا من المتخصصين في الشريعة- مع عدم التقليل من جهود هؤلاء في الدعوة والتعريف بالإسلام ـــ إنهم من البسطاء الذين قد يتجلى الإسلام في زاوية معينة في حياتهم دون أي ادعاء في سلوكهم.

وللتمثيل أذكر أنني قرأت في مجلة Emirates Woman ثلاث قصص عن نساء يقمن في الإمارات أشهرن إسلامهن منذ سنوات، وكل واحدة منهن تحكي قصة تأثرها بهذا الدين بسبب وجودها في وسط إسلامي مع ما في هذا الوسط من تفاوت واختلاف لا ينكره أحد.

لقد أسلمت إحداهن بسبب امرأة بريطانية مسلمة تعمل في صالون للنساء أهدتها كتيبا صغيرا يعرّف بالإسلام ومبادئه، وهي تحكي كيف تأثرت بما قرأت وكيف كانت تتأثر يوما بعد يوم.

وكيف تألمت لأن أسرتها ـــ في موطنها الأصلي ـــ قاطعتها حين أسلمت، لكن السعادة التي غمرتها بالإسلام وبوجودها بين المسلمين في الإمارات جعلت أمها تدرك حين رأتها أنّ هذا القرار نهائي لا رجعة فيه. وأخرى أسلمت لأن أحد معارفها حدثها عن الإسلام، فتأثرت بحديثه.

وتأثرت أكثر وهي تراقب كل يوم من شرفة بيتها المسلمين على اختلاف جنسياتهم وأعمارهم يؤمون المسجد القريب من بيتها خمس مرات.. فأسلمت وأسلمت من بعدها أمها لأنها هي أيضا كانت تراقب هذا المشهد الجميل كل يوم.

إنها حكايات بسيطة في ظاهرها عميقة جدا فيما يثوي وراءها من حقائق غفل عنها كثير من شباب اليوم ممن نشأوا بحسن نية على تصورات مغلوطة عن الدين، فأصبح الإسلام في نظرهم عنفا .

وغلظة بدل السماحة والرحمة وحكما بالتكفير على كل من يخالفهم الرأي أو يقف موقفا يلمسون أنه قد يغاير بعض ما يرونه حقا ويجعلونه من مبادئ الإسلام بالقوة والإجبار.

إن حكايات إسلام غير المسلمين أصبح يقابلها اليوم ـــ للأسف الشديد ـــ حكايات الارتداد عن الإسلام، وبعض هؤلاء وربما أكثرهم، مع الأسف، من الشباب الذي عاشوا تجربة مؤلمة تحكي كيف تربوا على تصورات مغلوطة عن الإسلام.

وكيف ضاقت أرواحهم واختنقت إنسانيتهم، ففروا يبغون الخلاص والتحرر والانعتاق من وطأة هذا الفهم الغريب للدين الذي يجردهم من إنسانيتهم وما جبلوا عليه من رحمة وتسامح ومحبة.

لقد أصبحنا اليوم نقرأ على شبكة الإنترنت حكايات تعتصر الفؤاد سطرها هؤلاء الشباب تقطر مرارة ونفوراً من الدين، وأصبح مصطلح »اللادينيين العرب« مؤشرا خطيرا ينبئ عن أعداد من الناس تهجر الإسلام وتعادي الدين لأنها رأت فيه ما ليس منه أصلاً من صور التسلط والعنف والقسوة البالغة والشطط المسرف الذي تأباه العقول والقلوب.

إنّ هؤلاء الشباب الذين يتنكرون للدين ويناوئونه كانوا ـــ يوما ـــ في صفوف المتحمسين له حد التطرف. فكانوا يرون في هذا الدين الخلاص والملاذ والحل، وكانوا ـــ كما تعلّموا ـــ يرون في كل من يخالفهم عدوا كافرا .

وإن كان أبا أو أما أو أخا أو أختا. وهم في كلا الحالين يعلنون عن ظاهرة خطيرة تستحق التأمل والتفكير. فكيف نشأ هؤلاء ؟ وكيف تجذرت في أعماقهم كل هذه التصورات الخاطئة عن الإسلام؟

ومن الذي غذاها وتعهدها؟ وكيف نجح في تمكينها في نفوسهم حتى غدوا لا يرون للإسلام حقيقة إلا في تجلياتها التي تنعكس دمارا وتخريبا في المجتمع؟ كيف انمحت في تصور هؤلاء صورة الإسلام الحقيقية التي تضع الحب والعطف والتسامح في المقام الأول في كل معاملات الناس على اختلافها وتنوعها؟

لقد سجل لنا التاريخ قصصا عن تسامح المسلمين وتواضعهم وإنسانيتهم بما يفوق الخيال. كانوا في عز قوتهم يضربون المثل في انتهاج السلوك الرباني القويم، وفي اجتراح السلوك الإنساني الرفيع.

ومهما يكن ففي كل مرة يشهر فيها أحدهم إسلامه يقف التاريخ شاهدا يحكي أمثال هذه القصص. فهل نقبل أن يقف التاريخ على طرف آخر شاهدا على حكايات أخرى تسطرها أقلام لا ترى في الإسلام إلا عدوا للحق والإنسانية والبشر. فعلى هذا الطرف ماذا يكتب التاريخ عنا؟

جامعة الإمارات