ها نحن أمام فصل جديد من فصول ما بات يعرف بسياسة الكيل بمكيالين، التي راحت رائحتها تنبعث من أروقة صناع القرار في العواصم الغربية.
حيث يتسابق الساسة هناك إلى إدانة تصريحات الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد التي دعا فيها إلى شطب إسرائيل من الخريطة العالمية، علما بأن تلك التصريحات تزامنت بصورة درامية مع تهديدات أطلقها قادة الدولة العبرية بضرب سوريا، التي يبدو أنها ليست عضوا في الأمم المتحدة له نفس حقوق وواجبات بقية الدول، من وجهة نظر أصحاب الياقات البيضاء في العواصم الغربية وبالتالي فإنه لا داعي لإدانة مثل هكذا تهديدات لأنها لا تصدر عن دولة »مارقة« مثل إيران.
إن كان قادة الغرب قد نسوا أو تنساوا تاريخ الشرق الأوسط، فإن هناك واقعاً يستطيع القاصي والداني تلمسه ورؤيته دون الحاجة إلى عدسة مكبرة، ذلك أن هذا الواقع لم تطو صفحته بعد، لأن تداعياته تطال شعوبا بأسرها.
فهذه الدولة التي يريد السيد نجاد شطبها هي بالأصل كيان مصطنع ولدته مصالح العواصم ذاتها التي أدانت كلماته البسيطة المنسجمة تمام الانسجام مع هذا الواقع، الذي نجم عنه اقتلاع شعب من جذوره ورميه في غياهب بلدان الشتات المظلمة.
وذلك عندما تكالبت قوى الشر الغربية على هذا الشعب المستضعف وسلمت بلاده على طبق من ذهب للكيان المشوه عام 1948 ومن ثم أحكم قبضته على بقية الأراضي الفلسطينية وأجزاء من بلدان عربية مجاورة.
ورغم حجم مأساة كل ما تقدم، إلا أن الدولة العبرية لم تتوقف أطماعها عند هذا الحد، وإنما راحت تسرح وتمرح في بلدان العالم قاطبة ووصلت عملياتها العسكرية والاستخبارية إلى حيث لا يخطر على بال حتى شياطين السياسة، إذ ضربت تلك العمليات قلب أوروبا .
وتطاولت وصولا إلى القارة الجديدة ونظيرتها السوداء، منفذة عمليات اغتيال أحيانا ومختطفة أشخاصا أحيانا أخرى، فضلا عن اجتياح لبنان عدة مرات والاعتداء على المفاعل النووي العراقي .
وقصف مواقع في سوريا واغتيال قادة من المقاومة الفلسطينية في تونس والتهديد المتكرر بضرب المفاعل الإيراني والاعتداءات المتكررة على الأراضي الفلسطينية المحتلة، باختصار إنها سلسلة لا تنتهي من الاعتداءات القائمة أصلا علي سياسة عدوانية واضحة لا تنفصل عراها عن تركيبة الكيان الصهيوني في جذورها.
إن تصريحات الرئيس الإيراني تعيد القضية برمتها إلى مربعها الأول، حيث يمكن رؤية الحقائق التاريخية خالية من أي شوائب براقة يحاول الكثيرون طمسها بشتى الوسائل وإنها درس جدير بالتدقيق والتمحيص والدراسة واستخلاص العبر، درس في السياسة .
أو كيف يمكن للسياسة أن تخدم الإيديولوجيا. فالسيد نجاد يدرك كما الجميع أن دعوته لشطب إسرائيل عن الخريطة هي دعوة غير واقعية في ظل موازين القوى القائمة منذ عشرات السنين في المنطقة، لكنه يرى بهذه الدعوة رافعة للسقف السياسي الإيراني، كفيلة بدرء مخاطر أخرى ذات عيار أخف تتهدد بلاده.
ان تثور ثائرة الغرب وأسياده ضد مجرد تصريحات حاولت الخروج عن ركب التيار الخانع السائد في المنطقة، فذلك لايدل الا على أمر واحد فقط هو أن العصا السياسية الإيرانية أصابت موقع القلب في عش الدبابير الصهيوني، الذي أعتقد أنه بمنأى عن حقيقة وجوده المصطنع.
ما يستدعي برأي قادة إسرائيل ومن في ركبهم، استنفاراً يضاهي حجم كذبة »شعب بلا أرض لأرض بلا شعب« التي تكشفت حقيقتها أمام أعين العالم الذي رأى في جزئه الغربي تحديدا ان الدولة العبرية تمثل التهديد الداهم الأكبر عليه وذلك في استطلاع للرأي أجرته مؤسسة بحثية وقورة منذ بعض الوقت.