مازلت أذكر تلك اللحظة التي صافحني فيها الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان ـــ طيب الله ثراه ـــ في احتفالية أقامتها جامعة الإمارات العربية المتحدة لتكريم الحاصلين على شهادات »البكالوريوس« سنة 1985م فهذه اللحظة شكلت بالنسبة لي قوة دافعة لمواصلة طريق العلم.
وكأن روحي تحولت إلى روح أخرى بعد ملامستها عن قرب ليد الشيخ زايد، روح تسعى للتفاني في خدمة وطنها وقومها، وهل هناك سبيل آخر لخدمة وطن يسعى للتقدم أفضل من سبيل العلم.
لذا سافرت إلى الولايات المتحدة الأميركية لمواصلة دراستي العليا، حتى حصلت على درجة »الماجستير« من الجامعة الأميركية بواشنطن العاصمة، ثم أكملت الدكتوراه في جامعة القاهرة، رغبة في الجمع بين ثقافة الغرب والشرق.
وما لهذا من فضل بعد الله تعالى، إلا لتلك الكلمات القليلة التي تفوه بها الشيخ زايد عندما صافحني مشجعاً على إكمال المسيرة. ولم تشكل هذه المصافحة لحظة تحول فقط بالنسبة لي، بل شكلت لحظة تحول لكل ابن من أبناء الإمارات صافحته يد الشيخ زايد.
إن هذه المصافحة رمز للاتحاد والتوحد بين القائد والمواطن، رمز يعكس تلك الحالة الشعورية والروحية الفريدة التي يستشعرها كل مواطن إماراتي. رمز يلخص وحدة شعب وتلاحم أمة ومسيرة وطن.
وفي هذا الإطار لابد من الوقوف قليلاً عند بصمات الشيخ زايد التي تركها على جدران قلوب أبناء وطنه، بفضل الجهود التي بذلها من أجل تحديث الدولة الاتحادية، عبر البوابة الملكية للتقدم، أعني بوابة التعليم، فقد كان المواطن هو الهدف الرئيسي للسياسات التنموية التي وضعها ونفذها.
حيث حرص على توفير كل وسائل التعليم والرعاية الصحية والاجتماعية وغيرها من الخدمات. واحتل التعليم مكانة فريدة في عملية الإصلاح والتنمية، لأن العلم حجر الزاوية في كل ذلك، ومن هنا تم تحديث نظم التعليم.
والاستفادة من التجارب العالمية، وإرسال البعثات الخارجية. فلم تقف جهود زايد على وحدة بلاده، بل كان هدفه الإنسان الإماراتي الذي قال عنه: »إنه أغلى ثروات الإمارات«.
وانتشر التعليم وتعددت الجامعات والمعاهد ومراكز الثقافة كجزء لا يتجزأ في بناء الدولة العصرية الحديثة.
إن الشيخ زايد ـــ رحمة الله عليه ــ فتح أبواب العلم لأبناء دولة الإمارات إيماناً منه بأنه الطريق الوحيد لتجسيد دورهم البارز على المستوى المحلي والإقليمي والعالمي وهذا ما تؤكده المكانة التي وصلت إليها دولتنا اليوم.
لقد شهدت دولة الإمارات مع الشيخ زايد كل الأحداث الكبار في تاريخها الحديث، مثل: صدور الدستور المؤقت للدولة في 18 يوليو 1971، الإعلان عن قيام الإمارات في 2 ديسمبر 1971.
انضمام الإمارات إلى جامعة الدول العربية في 6 ديسمبر 1971. الإعلان عن قيام المجلس الوطني الاتحادي في 12 فبراير 1975، استضافة الإمارات أول قمة خليجية في مايو 1981.
لقد تمكن الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان أن يغير تاريخ وطنه، حيث استطاع القيام بقفزة حضارية للدولة الاتحادية، وحولها من مجموعة من الإمارات المتباعدة إلى دولة موحدة، بعد أن كانت هذه فكرة شبه مستحيلة. وقد بذل الشيخ زايد الغالي والنفيس من أجل هذا الاتحاد.
وقام بتوظيف أموال النفط في إمارة أبوظبي في خدمة شعب الإمارات جميعاً، وأدت جهوده في النهاية إلى اختياره بالإجماع رئيساً لدولة الإمارات العربية الموحدة عام 1971. وقام بتوزيع عوائد النفط والثروة من أجل إقامة مجتمع صناعي وزراعي وتجاري حديث.
ولم يعتمد زايد على البترول ليكون الوسيلة الحاسمة للتنمية التي أنجزها، بل أكد كذلك القيمة التي يمكن أن تكون للعقل في حسن تدبير الثروات، وكل هذا بفضل إرادة سياسية توفرت للشيخ زايد ومن معه من القادة لجعل دولتهم تسير في الاتجاه الصحيح.
لقد كان قيام اتحاد الإمارات إنجازاً سياسياً كبيراً، وقد ظل صامداً حتى الآن في مواجهة التحديات الكبيرة التي قابلت الأمة العربية. وهذه نتيجة طبيعية للنظام الفيدرالي والدستور الفيدرالي الذي لا يركز السلطة في يد واحدة أي في السلطة المركزية.
ويعطي أقاليم الإمارات كلاً على حدة صلاحية الإدارة من اقتصادية واجتماعية والشأن المحلي بصفة واسعة، لذا أصبحت هذه الدولة أول بلد شرق أوسطي يقوم كيانه على هذا الأساس من الفيدرالية الموحدة.
ولكن تصبح بعد ذلك أنموذجاً فريداً من نوعه في هذه المنطقة من العالم أو في تاريخ هذه المنطقة الحديث. ويدخل الشيخ زايد في التاريخ العربي كمساهم رئيسي في تكوين هذا الاتحاد بفضل إيمانه الراسخ بأن القوة هي في الوحدة والترابط.
ــ وأن الوحدة لا تلغي التنوع والتعدد، الذي يمكن أن يثري المشروع الوحدوي ويزيده قوة وخصوصية ــ إن ما أطلقه ــ الشيخ زايد من أحلام ورؤية قومية ووحدوية، لم تكن مجرد شعارات، بل قام الراحل بترجمتها إلى سياسات وأفعال.
ورغم كل ما حققته الدولة من انجازات اقتصادية وتطورات في طريق العلوم والتكنولوجيا، فإن هذا لم يمنع الشيخ زايد من استمرار التعلق بأصالته وتقاليده العربية.
ولهذا ظلت الهموم العربية ــ وما أكثرها ــ حاضرة باستمرار في ضميره وفي انشغالاته اليومية. والتضامن بالنسبة للشيخ زايد لا يقتصر على الأقطار العربية أو العالم الإسلامي، بل باسم العروبة والإسلام تعددت مبادرات دولة الإمارات للتضامن المادي والمعنوي مع شعوب إفريقيا وآسيا.
وتعددت المجالات الاقتصادية والاجتماعية التي جعلت كثيراً من البلاد العربية والإسلامية تستفيد فيها من دعم الإمارات التي هبة لمساندتها في تجاوز الأزمات الصعبة.
ومواقف الشيخ زايد في نصرة قضايا أمته العربية واضحة وجلية، فقد ضربت مثلاً حياً في التضامن العربي خلال حرب أكتوبر 1973، إنه أبرز القادة العرب الذين جعلوا من اجتماع الملوك والرؤساء العرب بالجزائر، مباشرة بعد حرب أكتوبر، قمة الصدمة »البترولية« الأولى.
كان زايد رحمه الله من أشد المدافعين عن فكرة استعمال النفط العربي كسلاح للدفاع عن القضايا العربية ومازالت في الآذان أصداء تصريحه: »إن النفط العربي ليس أغلى من الدم العربي«، كانت الإمارات مازالت تخطو خطواتها الأولى آنذاك في نهاية 1973 بعد مرور عامين على تأسيسها.
ففي نهاية سنة 1971 كان قيام اتحاد الإمارات، بعد انسحاب بريطانيا العظمى العسكري من منطقة الخليج، نتيجة لمساع من أجل الوحدة، ويرجع الفضل إلى الشيخ زايد في هذا الانجاز المهم.
وهل ينسى أحد مساندة الشيخ زايد للشعب الفلسطيني ودعمه القضية الفلسطينية، أم هل ينسى أحد دوره في النهوض بالتعاون العربي المشترك.
هل استطاع أحد غير زايد أن يكسب ود واحترام جميع زعماء وقادة العالم بفضل السياسة القائمة على عقلانية واحترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها، وتغليب المنهج السلمي في معالجة المشكلات والصراعات الدولية.
لذلك سيظل الشيخ زايد فقيد الأمة العربية محفورا في قلوب كل من استفادوا من مشاريعه في عرض الأمة العربية وطولها، المشاريع الخدمية، والتعليمية.
والمصارف والمزارع والمستشفيات والمدارس والمعاهد، بل المدن الكاملة التي بنيت باسمه في عدد من البلدان الإسلامية، نعم مدن وأحياء كاملة ومشروعات عملاقة باسم زايد يستفيد منها الملايين من البشر الذين يشعرون بالامتنان لهذا الرجل.
وتعددت مواقف زايد.. من إدانته للهجوم الذي تعرض له مسلمو البوسنة والهرسك، إلى دعمه لانتشار الإسلام وإنشاء بيوت الله، وإعادة بناء سد مأرب بعد انهياره. مواقف كثيرة ومتعددة يصعب حصدها في كلمات، لأن مواقف زايد أكبر من أي كلمات تقال.
ان زايد استطاع تحقيق منجزات عظيمة على صعيد بناء الإنسان، والدولة، واستطاع أن يجعل من الدولة الاتحادية نموذجاً للتطور والعمران وملتقى للتجارة ومركزاً لتبادل الثقافات الإنسانية. في ظل صراع حضارات غير مسبوق ومتغيرات دولية وإقليمية بالغة التعقيد.
أما دور الشيخ زايد في مكافحة الفساد فقد كان دوراً مشهوداً، حيث سعى إلى مبدأ توحيد مرافق الدولة، ووضع كثيراً من الأنظمة التي تحد من الفساد الإداري، وكفل للمواطن الإماراتي سبل العيش الشريف.
إننا بحاجة لمواصلة مسيرة زايد في الإصلاح والشفافية ومكافحة الفساد. ولا نريد ان نتوقف عند ما وصلنا إليه، فمن الضروري أن نتنبه إلى أفضل طريقة لإحياء ذكرى زعيمنا أن نواصل الجهاد ضد رؤوس الفساد، وأن نبتكر من الأساليب ما يجعلنا نتجاوز ونتغلب على الأساليب الجديدة التي يبتكرها المفسدون.
ولا شك أنه رغم ما تحقق من تقدم أشرنا إليه مراراً، فإننا لا نزال نواجه عقبات متعددة يضعها أمامنا دعاة الجمود والتخلف وأرباب الفساد.
وعلينا أن نضرب بقوة على أيديهم، بل علينا أن نقطعها، حتى نواصل مسيرة التقدم التي بدأها الشيخ زايد رحمة الله عليه، وحتى لا تتعرض الإمارات ككيان سياسي واقتصادي واجتماعي لأية هزة لا سيما.
وهي تعيش في عالم سياسي مضطرب يفتقد للتوازن، وحتى تستمر الإمارات محافظة على سلامها الاجتماعي ومناعتها السياسية التي اكتسبتها طوال العقود الثلاثة الماضية بفضل حكمة الشيخ زايد الذي مازال يعيش في خاطري.
منسق أكاديمي ــ جامعة الإمارات