خلافاً لما اعتادت عليه الذهنية العربية، من تعداد لفضائل القادة بعد رحيلهم، تمكن المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان من فرض حضوره في صفحات التاريخ طوال سني حياته.

أبرز العبر التي تركها الفقيد الكبير للجميع تتركز في العصامية المصحوبة بعزيمة الإرادة.كان كمن يدربنا على ضرورة تجميع مسيرة الفرد في غاية أو هدف والعمل الدؤوب للوصول إلى المبتغى بغض النظر عن عسر الحال أو فقدان الشروط الموضوعية للنجاح.

فالأصل في دخيلة جميع الساعين إلى الالتحاق بركب الحضارة. هو الإصرار على بلورة الشروط الموضوعية عبر خطط تفصيلية أو مرحلية لتحقق الاستراتيجيا.من أجل ذلك، حشد زايد منذ بدايات تقلده المناصب السياسية.

كل عناصر التجميع والقوة، بدءاً من أفلاج الماء، إلى تكريس تقليد المشورة وتداول الأفكار والخطط الأولية مع الجميع.

من قبائل متناثرة ومتصارعة، استطاع الراحل الكبير بناء مجتمع موحد على أساس فكرة المنعة ومزاياها وعوائدها، وصولاً إلى دولة عصرية تسير بخطى مدروسة إلى مصاف المراكز العالمية.

وهنا يجدر الانتباه إلى أن العصامية والإرادة تتجليان في إصرار زايد على خططه الطموحة لبناء أمة موحدة قوية تنعم بالرفاه الاقتصادي والاستقلال السياسي، سبقت اكتشاف النفط، ما يشير إلى أن هذا الحدث المفصلي في تاريخ الإمارات ومنطقة الخليج عموماً، لم يكن سوى عامل مساعد في مسيرة التنمية التي آمن بها المغفور له الشيخ زايد.

نهج الشورى، والعزيمة، والجد في استنفار عوامل اللحمة والنهوض انضافت لاحقاً إلى تدفق الثروة النفطية لتكتمل بذلك شروط الصعود الإماراتي على درجات السلم الحضاري، وذلك كله في إطار ذهنية قيادية أبدعت في الاستخدام الأمثل للموارد الاقتصادية.

كانت الثروة في قاموس الفقيد الكبير، مجرد وسيلة ولذا لم تقتصر منافعها على أبناء الإمارات بل امتدت لنصرة العرب جميعاً بدءاً من دعم استقلال سوريا، وتمكين مصر مالياً من خوض حرب أكتوبر إلى توفير سبل الثبات والصمود للشعب الفلسطيني، فضلاً عن المشاركة الفعالة في إزالة مخاطر الألغام الإسرائيلية بعد تحرر الجنوب اللبناني.

غني عن القول مدى مساهمات زايد في تخفيف معاناة الإنسان أينما حلت، لكن اللافت أن العديد من القادة العرب تخرجوا من مدرسة الفقيد الخالد.

يكفي زايد. انه نجح بتفوق في غرس بذرة العصامية والاعتماد على الذات في نفوس أبنائه، فجدوا واجتهدوا.. وتواصلت فصول حكاية نجاح إماراتية متفردة.